الخميس، 18 سبتمبر 2008

مناجاة الشيب

منذ سنوات قليلة، قدمتْ علي أولى طلائعك، وأناخت ركائبها بفوديّ، فتقبلتها بابتسامة باهتة، طمست بها وخزة عميقة في فؤادي.
وتعللت – فيما تعللت – بخاطرة خافتة الأنفاس، ملأتُ بها سراديب فكري، وجعلتها عنوة نورا يبصّ في سدفة الكآبة التي أحاطت بي من كل جانب، حتى غمرت كياني بما أقعدني عن مغازلة جمال الحياة.
تعللتُ بحسابات دفعتُ بها هجمتك التي احتوشتني من أرجائي كلها، حتى كادت تسقطني في مهامه الضياع. وأقنعتُ نفسي حينذاك أن تلك الشعرة البيضاء اللامعة في حلكة شعري البهيم، ليست تقدر على إخمادتلك الطاقة الرهيبة التي تفور في صدري، ويمور بها قلبي وضميري.
تعللتُ بأن الشباب الذي يجري ماؤه الغض في عروقي، أعتى من أن تكرثه شعرة صغيرة استحالت من لون إلى آخر.
تعللتُ بالذين سبقوني إلى مجاهل الحياة، فكانوا في مثل سني أو أكثر، وقد وضع الشيب ميسمه البغيض على مفارقهم، ينبضون بالحركة الدافقة، وتهدر دماؤهم بروح الكفاح، كالسيل المتحدر من قنن الجبال، لا يقوم لغضبته الجارفة شيء من غثاء الفكر الرخيص، أو الفعل الهجين.
تعللتُ بما مضى علي في حياتي من عقبات كالأطواد الشامخة، تمثلتْ بهيبتها أمام سيري الظليع، فلم أزل أعالجها بعزم يفت الصخر، حتى انجابت عن أفق من الأمل فسيح.
تعللتُ بهذا وبغيره، مما لستُ أذكره الآن، بعد أن غيبت سحنته عني أتربة النسيان.
تعللتُ .. وقلتُ لك:
لن تزيد على أن تكون ضيفا ثقيلا، أتى على غير ميعاد، وحل من غير استئذان.
ولن تعدوَ قدرك !
فما اكثر خِلانك من الضيوف الثقلاء !
ولم أزل مذ ذاك اليوم الذي ألقيتَ فيه عصا تَرحالك بفناء رأسي، أغالب فيك شعورين قد ملكا علي غياهب فؤادي، فأنا منهما بين نارين تتأججان، لا أكاد أطفئ حر إحداهما، حتى تتلقاني الثانية بصيخودها اللاهب.

أما الأول: فإحساس النائم المستغرق في نومه، لا يلقي لما حوله بالا، كأن الدنيا اختُزلتْ في شخصه، أو كأن الكونَ جُمع تفرقُه في ذاته؛ فإذا بصوت أجش مستنكر قد اخترق الفضاء، فارتجت منه جنبات الأرض؛ وإذا بذلك النائم يخر من برج أحلامه الساحرة، إلى أرض مجدبة سوداء، حصباؤها قذاراتُ الواقع الأليم.
كذلك شعرتُ حين حللتَ ضيفا لا يُرجى رحيله !
وكانت تلك اللحظة القاتمة، برزخا بين بُرهتين من عمري متباينتين.
كنتُ في الأولى أحمل بين جنبيّ ماردا جبارا، مستعصيا على الخوف، مستعليا على الكسل، دائم الانطلاق؛ لا يكاد ينهي قسمة غنائم فتح مجيد من فتوحه المتكاثرة، حتى يفزع إلى ميدان آخر من ميادين النضال والجلاد.
كنت في الأولى صقرا حائما، بل طيفا حالما، لا يمس الأرض إلا بمقدار ما يُعد للتدويم تارة أخرى في سباسب الفضاء الرحيب.
كنت في الأولى قويا كالأمل ..
حالما كالطفل ..
حازما كالصيقل في يد الكمي المغوار ..
راسخا كالطود السامق ..
جريئا كالإقدام نفسه، لو تجسد شخصا من البشر.
كنتُ في الأولى أرى القناعة بما دون الكمال موتا زؤاما، بل دونها الموت.
ثم كان ما كان ..
فصرتُ في الثانية بعكس ذلك كله: حائرا في دروب الحياة، مضطرب العزم، متردد الفكر بين قبو وضياء، وبين حضيض وفضاء.
صرتُ أتحسس موقع كل خطوة قبل أن أخطوَها، وأحرر كل كلمة قبل أن ألفظها، وأغالب كل فكرة قبل أن أسلم قيادي لها. ثم أعود على نفسي بعد ذلك كله بالعذل المر، والعتاب المؤلم.
صرتُ كالشاة الفاترة التي يسحبها جزار غليظ القلب إلى موتها المحتوم. تتمنع تارة، وتصاول جلادها تارة أخرى، ثم لا تلبث بعد حظ من النصَب غير قليل، أن تستسلم لما يرادُ بها، فتسلم الروح بين جثة هامدة، ونظرة شاردة.
صرتُ كالهائم في متاهات الحياة، تتراءى له سمادير الغفلة، فتنبعث به صُبابة نفس أبية لتدفعها، فهو معها أبد الدهر في جلاد لا ينقضي أمده.
كذاك كنتُ ..
وكذا صرتُ.
وكانت لحظة البقظة تلك فاصلا بين ما كنتُ عليه، وما صرتُ إليه.

وأما الإحساس الثاني، فلوعةُ المقصّر الذي يدرك عاقبة تقصيره، وحرقة السكيت حين يعاتب على تأخيره، وانكسار العاشق حين يلام على صده وهجره.
شعور الهزيمة هو !
أو قل – إن شئت أن تختصر الكلام فتهون وقع سياطه اللاهبة – هو شعور النكسة العاصفة في حلبة صراع لا يرحم.

سبق المشمرون !
ما أعذب هذه الكلمة حين تشملك وتحتويك في حضنها الدافئ، وما أقساها حين تلفظك كالنواة خارج حماها، وتصدح في أذنيك بصوت منكر:
وأين أنت من التشمير؟ !
وأين كنت حين شمروا ؟ !
ألهوًا وطولَ أمل؟
أتفريطًا وأوهامَ غرور؟
أرُقادا وسعةَ رجاء؟
ما أتفهَ عقلك حين تقصد السوق لتقتني ما تحب، وليس في جيبك من ثمنه قليل ولا كثير !
يا هذا .. لقد سبقوا !
املأ بها سمعك، ثم سائلْ نفسك: إلى متى النحيب؟ وحتى متى العويل؟
قد آن لك أن تستبدل بهما حزما عُمريًّا، تلم به شعث نفسك المتضعضعة، وعزما شامخا تشرف به على دروب الحياة، فيما يستقبلك من الأيام.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2008

يسري كدفءِ الروح ..

من قال شعرا حطَّ عن كاهلهْ = حِملا مسلطا على حاملهْ
تضيقُ نفس المرءِ في سجنها = حتى يثورَ القولُ من قائله
فتُجتلى الأمشاجُ من حرفه = مفضولُه على خُطى فاضلِه
كنفثةِ المصدور تجلو الأسى = أو فرحةِ الإحسانِ من باذلِه
أو شرب ماءٍ في الظما باردٍ = يسري كدفءِ الروح في ناهلِه
أو كالحيا يعمُّ وردَ الربا = فيبعثُ الحياةَ في ذابله
الشعر بحر ما له منتهى = إن وقفَ المهمومُ في ساحله
يمضي به إلى جميلِ المُنى = في عاجلِ المسيرِ أو آجله

الأحد، 14 سبتمبر 2008

لا تحزني يا بُنيّتي


لا تحزني يا بُنيّتي
(إلى طفلة ذات إعاقة بدنية)

تمشي وفي مشيها فُتورُ = وطرفُها هائمٌ حسيرُ
في ثغرها بسمة اكتئابٍ = تروي الذي يستُر الضميرُ
إن ذكرتْ همها تولَّتْ = والدمعُ في عينها غزيرُ
أو نَسِيتْ .. ذُكِّرتْ بألحا = ظٍ كالسهامِ لها تُشيرُ
تبكي بصمتٍ، وفي حشاها = من نار غربتها سعيرُ
ترنو بحُزنٍ إلى لِداتٍ = لها، لهم بالمُنى قُصورُ
يبنونَها كالصروحِ، والآ = مالُ بسيرهمُ تسيرُ
وهْي لها حاضرٌ كَسِـيفُ الـ = ضياءِ .. أو أملٌ كسيرُ
+++++
لا تحزني يا بنيتي فالـ = حياةُ أحزانُها كثيرُ
تدور ريحُ الهمومِ فينا = كالكأس يترعها المُديرُ
إن اللبيبَ يخوضُ غمرَ الـ = أسى، وفي قلبه حبورُ
فليس يرجعُ فائتٌ قدْ = ولّى، إذا خفتَ السرور
انطلقي في رحاب هذي الـ = دنيا فإن المَدى قصيرُ
وقاومي .. فالحياةُ تحلو = إن حَفَّها النَّصبُ الكبيرُ
وناضلي فالنضالُ نصرٌ = وجاهدي فالجهادُ نورُ
وأبشري قد دنتْ قطوفُ الـ = خيراتِ يحملها البشيرُ

البشير عصام
13 رمضان 1429

لأوهامنا سورةٌ



مراكِبُنا ما رَستْ = على مرفإِ الخُلدِ
ورحلتنا لم تَصلْ = إلى مُرتجى القَصدِ
فكيفَ انتهى عزمُنا = إلى عيشةٍ رغدِ؟
ولهوٍ يميلُ بِـنا = عن الحزم والِجِدِّ
وخَوضٍ بمعصيةٍ = وجورٍ عن القَصدٍ
لأوهامنا سورةٌ = وغفلتنا تُردي
فيا ربَّنا اغفِر لنا الْـ = خَفِيَّ وما نُبدي

الخميس، 11 سبتمبر 2008

فلتهن بالمجد ..



أُغالبُ الشوقَ والحشا ضرمُ = وأكتمُ الحزنَ والدموعُ دمُ
أصارعُ الخوفَ حين يأسرُني = وأدفعُ الشكَّ حين يزدحمُ
وأمتطي غربتي على وَجلٍ = وأكسرُ الطرفَ ثمَّ أقتحمُ
منذُ الفراقِ الأليم ما اكتحَلتْ = عيني بغمضٍ، ولا انجلى السَّقَمُ
ما أَلِـمَ القلبُ من فراقِ أخٍ = كمثلِ ما كان عندَ بينِكمُ
ما سجنوا قلبك الشفيقَ ولا = عِلما رصينا يبثُّه القلمُ
فالقيدُ في معصمِ الأبيّ حُلى = والعبدُ .. رحبُ الفضا له لُجُمُ
والعزُّ نورٌ – وإن بأقبيةٍ = والذّل ليلٌ نسيجُه الظُّلمُ
إن يحبسوا في صِفادهم بدنًا = فالروحُ تسمو برَكبِها الهِممُ
أو يكتُموا ذكركمْ بمعتقَلٍ = فعلمُك الثرُّ كيفَ يُكتتمُ؟
فاسعدْ بثوب السموِّ تلبسُهُ = ولتهنَ بالمجدِ أيها العَلمُ
قد أوشكَ الليلُ أن يغادرَكم = والصدعُ لا بدَّ سوفَ يلتئِمُ

الاثنين، 8 سبتمبر 2008

أَلـمَّ الشيبُ


أَلـمَّ الشيبُ في زمنِ الرُّقادِ = وأوهامُ الكَرى مِلْءُ الوِسادِ
فقمتُ .. ولستُ أدري أينَ أمضي = وأينَ مسيرُ قلبي دونَ زادِ
وكيفَ أغذّ سيري في اغترابي = وكيفَ أثيرُ نارًا في رَمادي
أسيرُ كمثلِ عصفورٍ جريحٍ = يُقَلِّبُهُ المُنى بين البلادِ
تميلُ به السماءُ على هَواها = وتَجرحه مُدى المُزنِ الغَوادي
إذا سلكَ السُّراةُ عَذلتُ ضعفي، = وإن يصِلوا أَلُمْ قُبحَ اتِّئادي
أحقًّا قد مضتْ سنواتُ لهوي = وأينعَ زرعُ عمري للحصادِ؟
أحقًّا صرتُ وحدي حين أمشي = يسحُّ الدمعُ من غيمِ انفرادي؟
أحقًّا أَطفأَتْ لُججُ الليالي = لهيبَ العزمِ في جَنبيْ فؤادي؟
أحقًّا صَوَّحَ الروضُ المريعُ الـ = ـذي في حسنه كان ارتيادي؟
أحقًّا أنهجَ البردُ الموَشّى = وصِرتُ أُرى بأسمالِ الحِدادِ؟
تُؤرِّقُني بَقايا ذكرياتي = وتَحرمني اللذيذَ من السُّهادِ
تُذكّرني بآمالٍ كبارٍ = سموتُ بها على رُتبِ العبادِ
وأحلامٍ من الشّمّ العوالي = كسَرتُ بصخرِها جورَ الأَعادي
وأوهامٍ فرشتُ بها بساطي = فأصبحَ لي بها شوكُ القتادِ !
وصارتْ شمسُ فكري في أفولٍ = وعادتْ لُجَّتي مثل الثِّمادِ
وأقفرَ من وجودي كلُّ دربٍ = وأُودِعَ سيفُ عزمي في الغِمادِ
أُغَرِّدُ في سماءِ الشِّعرِ لحنَ الـ = جُمودِ، وقد دنا صوتُ المُنادي !

07 رمضان 1429

الخميس، 7 فبراير 2008

رفع الرّين، بختم شرح مرقاة الأصلين


قلت عند ختم متن (مرقاة الأصلين) في علم أصول الفقه، على شيخنا الشيخ أحمد مزيد بن عبد الحق البوني، وذلك في شهر المحرم من سنة 1429

(رفع الرّين، بختم شرح مرقاة الأصلين)

1- علمُ الأصول لأهل الفقهِ إكليلُ    =        ومَن قَلاهُ بقيدِ الجهل مكبولُ
2- إني رأيتُ الفروعَ احتار طالبُها    =        إذا نبا عنه تقعيد وتأصيلُ
3- ودَرْكُ أحكام شرعٍ من أدلتها              =        له بعلم أصول الفقه تحصيلُ
4- لا يُدرك المرء فقها دون قاعدة    =        (إلا كما يمسك الماءَ الغرابيلُ)
5- وطرْفُ من يدّعي علم الفروع ولا         =        يدْري الأصولَ، بميل الجهل مكحولُ
6- فاعجبْ لمن يزدري علم الأصول! لقد      =        طغى على ذهنه غيٌّ وتضليلُ
7- هذا وقد بارك الرحمن في ورقا     =        تٍ لِلْجوينيِّ، جيلا إثره جيلُ
8- كمْ ماتحٍ مِن عطاياها ومُغترف،  =        والعلمُ منها مدى الأحقابِ مبذولُ
9- كم شارح قد جنى من روضها زهَرا        =        يختال، وهْو بماء الحسن مَطلول
10- كم ناظم للغوالي من جواهرها؛ =        والكلُّ - فيما عدا المرقاة – مفضول
11- أتى بها الجِهبذ الماميْ مُحَبَّرة              =        من فوقها مَلْبسُ الإتقانِ مسدولُ
12- مسبوكةُ اللفظ لا حشوٌ يكَدّرها،        =        كأنها – إن بدَتْ - غيداءُ عُطبولُ
13- فيها اعتدالٌ، فلا يزري بها قِصَرٌ =        يُقصي المعانيْ، ولا يُزري بها طولُ
14- وقد تصدّى لشرح النظم مجتهدٌ  =        من أهل شنقيط، فَـذ، قولُه القيلُ
15- أستاذنا أحمدُ البونيُّ قدوتنا،               =        سليلُ قومٍ همُ الصِّيدُ البَهاليلُ
16- جلَّى الغموضَ، وحلَّ المُشكلاتِ، وذلـَّـ         =        ـلَ الصعابَ، فلم تبق العراقيلُ
17- أرَّختُ ذا الشرحَ لفظا '' في المحرَّم فضـ  =        ـلٌ عمَّّ ''(1)، فالفكر بالإنعام مشمول
18- على النبي صلاة الله طيبةً                  =        ما دام يُرفع تكبيرٌ وتهليل
19- والآلِ والصحبِ، أهل الفضلِ، مَنْ بِهِمُو =         قد شِيدَ ربعٌ لدين الله مأهولُ


(1)   – مجموع أحرف هذه الجملة بحساب الجمل – على ترتيب المشارقة (ابجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ)- كالتالي:
في: 80 + 10 = 90.
المحرم: 1+ 30 + 40 + 8 + 200 + 40 = 319.
فضل: 80 + 800 + 30 = 910.
عم (باحتساب المدغم حرفا واحدا): 70 + 40 = 110.
المجموع: 90 + 319 + 910 + 110 = 1429.
وفي قولي (في المحرم فضل عم) إشارة إلى أن شرح هذه المنظومة كان في شهر المحرم من السنة المذكورة.