‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات في الدعوة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات في الدعوة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 يونيو 2011

دروس من حياة المعتمد بن عباد

قَدْ كَانَ دَهْرُكَ إِنْ تَأْمُرهُ مُمْتَثِلاً
فَرَدَّكَ الدَّهْرُ مَنْهِيًّا وَمَأْمُورَا [1]



بِهذا البيتِ يخاطب المعتمدُ بنُ عباد نفسَه، فيلخص سيرتَه الذاتية أيامَ ملكِه وجبروتِه بالأندلس، وأيام ذلِّه وهوانه بـ"أغمات" بضاحية "مراكش"، وذلك في قصيدتِه الرَّائية المشهورة، التي تغنَّيْنا بها صغارًا، ورثينا لحال ناظمها؛ لأنَّه ما ترك سبيلاً لاستدرار الدَّمع من عين قارئ أبياته إلا سلكَه.



ونحن إذْ كنَّا نحزن لأحزانِ الرجل، ونألم لآلامه التي بثَّها في كلِّ لفظ من ألفاظِه، ونستحضر أمامَنا صورَ بناتِه الأميرات اللواتي تبدَّل بهنَّ الحالُ، فصرْنَ يغزِلْنَ للنَّاس بالأجرة - لم يكن يخطر ببالنا إلا هذا الجانب الأوحد من الصُّورةِ التاريخية المركبة، وكان يكفينا أنْ نختزلَ حياةَ المعتمد في قصةِ ملكٍ أديب شاعر، غدر به ملكٌ همجي ظالم، فساقه من حياة الرَّفاهيةِ والمجد إلى عيش الفقر والهوان، ولم نكن نحسب أنَّ من وراء ذلك جوانبَ أخرى تحتاج إلى تأمُّل، قد يفضي إلى صورةٍ أخرى غير التي توحي بها ظواهرُ كتب الأدب.



والحقُّ أنَّ المعتمدَ بن عباد قد اجتمع فيه - في كفتي الخير والشَّر - متناقضاتٌ عجيبة، ترفعُ الرجلَ في بعض إشراقاتِه إلى أعلى مدارج العظمة، وتنحطُّ به في بعضِ مواقفِه إلى أخسِّ دركات البشرية المغرقة في اتصالِها الأرضي، المنبتَّة عن وحي السَّماء.



أمَّا في كفةِ الخير؛ فقد كان المعتمدُ بن عباد ملكًا شجاعًا، وفارسًا مغوارًا، عرفته ميادينُ الكفاح، وألفته ساحاتُ الجهاد، وقد أظهر في معركةِ الزلاقة من البلاءِ الحسن، وصدقِ العزيمة في الحرب، وشدة الصَّبرِ على مكاره الهيجاء ما حفظه له التاريخُ، وأثنى به عليه رواتُه الصَّادقون.



وله في كفةِ الخير أيضًا موقفٌ ناصعٌ، لا يتأتَّى مثلُه إلا لأهل التدين الصَّادقِ، والحمية الإسلامية الرَّاسخة؛ وذلك أنَّ "ملوك الطَّوائف" حين تهدَّدهم طاغيةُ الإفرنج، وأوشك على قصد بلادِهم لاستئصال شأفتِهم - أرسل المعتمدُ إلى أمير "العدوة" المغربية "يوسف بن تاشفين"، يستنصره ويتقوَّى به، وحين عذله بعضُ المفتونين، وخوَّفوه ضياعَ ملكِه، وذهاب سلطانه، قال كلمته السائرة التي بقيت تتحدَّى النسيان، وتطاول الإهمال، يتناقلها أهلُ التواريخ، وينشأ على حلاوتِها شُداة الأدب الخالد: "رعيُ الجمالِ خيرٌ من رعي الخنازير"[2].



وله بعد ذلك كلِّه، وقبل ذلك أيضًا شيءٌ يشفع له عند أهل الأدب خصوصًا، وعند كلِّ ذي ذوقٍ فني، يحب الظرف، ويعشق الخيال، ويحسن تقدير المعنى النَّبيل، واللفظ الجميل، نعم، كان المعتمدُ شاعرًا فحلاً، أندلسيَّ الطَّبع، رقيقَ الدِّيباجة، سريع البديهة، ظريفًا محببًا، وكثيرٌ من النَّاس يهوون الأدبَ - وإن لم يكونوا في أنفسِهم أدباء - ويحترمون أهلَ الأدب وينظرون بعينِ الصَّفح إلى نقائصِهم، ويقبلون من عيوبِ أهل الفصاحةِ واللسن، ما لا يقبلون مِعْشارَه من أهل الفهاهة والعيِّ.



أما في كفةِ الشر، فقد اجتمع على المعتمدِ مواقفُ مظلمة، تنزلُ بالرجل إلى حضيضٍ يجامعُه فيه أهلُ الاستبداد والترف، والمتشبِّعون بالفكرِ السِّياسي المكيافيلي.



فمن تلك المواقف ما وقعَ له مع ابنِ جهور، وملَّخصُ القصةِ كما في كتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (2/610)": أنَّ أميرَ قرطبة عبدالملك بن جهور احتاجَ إلى الاستعانةِ بالمعتمد بن عباد ليدفعَ عنها مَنْ أغارَ عليها، فجاءتْ جيوشُ المعتمد ورابطَتْ بظاهر قرطبة، "وأقاموا بها أيامًا يحمون حماها، وأعينهم تزدحم عليه، ويذبُّون عن جناها، وأفواههم تتحلبُ إليه"، كما يقولُ الشنتريني، لما انصرفَ العدوُّ عن قرطبة، لم يرع ابن جهور إلا عساكر المعتمد تغدرُ به، بعد أن كانت حليفةً له، مظهرةً ودَّه، فاحتلُّوا بلادَه، وقبضوا عليه وعلى إخوتِه وأهلِ بيته، أذلاء منتهكي الحرمة.



وحفظ التاريخُ أنَّ ابن جهور لما وصل إلى وسطِ قنطرة قرطبة خارجًا منها، رفع يديه إلى السَّماءِ وقال: "اللهمَّ كما أجبتَ الدُّعاءَ علينا فأجبْه لنا"، فمضى الزَّمانُ، ودارت على المعتمدِ وأهلِه الدوائرُ، وإذا به يلقى من الذُّلِّ في سجنِ ابن تاشفين، نظير الذي لقيه ابن جهور في سجنِه.



ومن ذلك أيضًا ما حدث له مع وزيرِه أبي بكر محمد بن عمار المهري، الذي كان صفيَّه وخليلَه، ثم وقع منه ما وقع، فسجنَه ولم يرق لاستعطافِه، ثم ذبحه صبرًا فيما ينقل المؤرِّخون[3]، وما أشبَه هذا بأساليبِ عتاةِ المستبدِّين من الملوك والسَّلاطين، وما أبعدَه عن صورةِ الأديب الذي ينضحُ شعرُه بالظرفِ، ويكاد يسيل من الرِّقة!



ومن ذلك أيضًا قصتُه مع الرميكية.

والرميكية هذه جاريةٌ شغف بها المعتمدُ، فهتك من أجلِها أستارَ محاسنِ الأخلاق التي يتحلَّى بها أهلُ الحزم من الملوك، وأرباب العزائم من الرِّجالِ.



يقول المقري في النفح[4]: "وقد رُوي أنَّها رأت ذات يوم بإشبيلية نساءَ البادية يبعنَ اللبنَ في القِرَب، وهنَّ رافعات عن سوقهنَّ في الطِّين، فقالت له: أشتهي أن أفعلَ أنا وجواريَّ مثل هؤلاء النِّساء، فأمر المعتمدُ بالعنبرِ والمسك والكافور وماء الورد، وصير الجميعُ طينًا في القصرِ، وجعل لها قِرَبًا وحبالاً من إبريسم، وخرجت هي وجواريها تخوضُ في ذلك الطين، فيقال إنَّه لما خُلِع وكانت تتكلَّمُ معه مرةً فجرى بينهما ما يجري بين الزَّوجين فقالت له: واللهِ ما رأيتُ منك خيرًا[5]، فقال لها: ولا يوم الطِّين؟! تذكيرًا لها بهذا اليومِ الذي أباد فيه من الأموالِ ما لا يعلمُه إلا اللهُ - تعالى - فاستحْيَت وسكتت".



ومن ذلك - وهو أخطرُ هذه المواقف وأحلكها، لما له من التعلُّقِ بالتَّوحيد - أنَّ المعتمدَ لم يتردَّدْ في الاستغاثةِ بالفنش طاغيةِ الفرنجة، ليردَّ حصار ابن تاشفين عن مدينتِه، يقول ابنُ خلدون[6]: "واستنجد الطَّاغية فعمدَ إلى استنقاذِه من هذا الحصارِ فلم يغنِ عنه شيئًا، وكان دفاع لمتونة مما فتَّ في عضدِه، واقتحم المرابطون إشبيليةَ عليه عنوةً سنة أربع وثمانين، وتقبض على المعتمد وقاده أسيرًا إلى مراكش".



ولذلك فقد استفتى أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين الفقهاءَ في هذه الواقعة، فأفتى أكثرُهم بأنَّها ردة، لكنَّ قاضيه - وبعضَ الفقهاء - لم يرها ردةً ولم يبحْ دمَه[7].



وما أعظم البَوْن بين الحادثةِ الأولى التي استنكف فيها المعتمدُ أن يستعينَ بالإفرنج، وفضَّلَ على ذلك الارتماءَ في أحضان المرابطين المسلمين، وبين ما آل إليه أمرُه في هذه الحادثة المحزنة!





وبعدُ فما لنا وللمعتمد بن عباد؟ وفي أيِّ شيء يهمنا المعتمد وما فعله المعتمد، وقد أفضى الرَّجلُ إلى ما قدَّم منذ قرون عديدة؟ وإلى متى نبقى ندوك في سيرتِه وهو الآن بين يدي ربٍّ حكيم عادل، يحاسبُ بالقسط، ولا يُظلمُ عنده أحد؟



الحقُّ أنه لا يهمنا المعتمد، ولا سيرة المعتمد، إلا بمقدارِ ما نستخلصُ من ذلك دروسًا تكون حاديًا لقارئها في سلوكِه الحثيث إلى الله، وعبرًا تكون زادًا لمتدبرها في سعيه إلى معالي الأمور، وبعده عن سفسافها.



وقد تأملتُ فيما سبق بيانُه من المواقف، فاستخلصتُ بعضَ الدُّروس، ولستُ أزعم الحصرَ ولا الاستقصاء، ولكن هذا الذي ظهرَ لي بادي الرَّأي، ولن تعدم حياةُ هذا الرَّجلِ المضطربة بالأحداثِ الجسام، والمتموجة بالفتن العِظام، مَنْ يستخرجُ منها غيرَ هذه العبر.



الدرس الأول:

مرتعُ الظلم وخيم، وعاقبتُه أشدُّ مرارة من الصاب والعلقم، وبينما الظَّالِمُ في غفلتِه مسرورًا بما اقترفتْ يداه، مطمئنًّا إلى دنياه المليئة بالمسراتِ والأفراح - إذا بعادياتِ الأيام تنتزعُه من أوهامه، وتفسدُ عليه زينةَ أيامه، وإذا بالسُّرورِ ينقلبُ حزنًا وكآبة، والسعادةُ شقاءً، والرِّفعةُ ضعةً وذلاًّ، وضياءُ الشَّمسِ حندسًا رهيبًا.



ومن لم يرَ عاقبةَ ظلمِه في الدُّنيا، فإنَّه يراها في الآخرةِ أعظمَ وأنكى؛ فيتمنَّى من هولِ ما يرى هناك أنْ لو عُجِّلتْ له العقوبةُ في هذه الدُّنيا الفانية؛ يفنى نعيمُها كما يفنى عذابُها.



فليحذرِ الظَّلمةُ وأعوانُهم، ومن يرقِّعُ ما انفَتَقَ من سِيَرِهم، ويصلحُ ما تهلهلَ من مواقفِهم؛ بالبيانِ الإعلامي تارة، وبالفتوى الفاجرة تارةً أخرى.



فليحذروا أجمعين، فإنَّ حالَ المعتمد لم يدُم له على خير ما كان يتمنَّاه، وإنَّ نظراءَ المعتمد - بل الذين فاقوه عتوًّا واستكبارًا، وكثرةَ أنصارٍ وأعوان - لم يلبثوا أنْ وجدوا - في يومٍ من أيام الدَّهرِ الجارفة - قصورَ الوهمِ تتساقطُ من حولهم، فكأنها ما كانت، وكأنهم ما كانوا.



الدرس الثاني:

إنَّ التاريخ حافظٌ أمين؛ يحفظُ مواقفَ الخير، وتصرفات الشر، لكنَّه يكتبُ لأهل المواقف الطيبة الناضحةِ بالشجاعة والنبل، الخلودَ في ذاكرةِ الزمن، والبقاءَ في مخيلاتِ النَّاس، ويرمي أهلَ المواقف السيئة في مزابلِ النسيان، وفيافي الإهمال، وليس يبقى ذكرُ أحدٍ من هؤلاء إلا إنِ اقترن بذكرِ أهلِ الخير (كما بقي ذكرُ ابنِ أبي دؤاد لأجلِ اقترانه بمحنةِ أحمد بن حنبل - رحمه الله ورضي عنه)، أو اقتضتْ حكمةُ الله أن يبقى ليكونَ عبرةً للمعتبرين، وعظةً للمتدبرين.



ولذلك حفظ النَّاسُ قديمًا وحديثًا قولة المعتمد: "رعي الجمال خير من رعي الخنازير"، وحفظوا معها أنَّ المعتمدَ أبت له شهامتُه أن يذلَّ لأعداء الدِّين، وفضَّل التضحيةَ بالعرش - إن كان ولا بد - على التضحيةِ بالدِّين، وجهل أكثرُ النَّاس الواقعةَ الأخرى، أو تجاهلوها.



إنَّ النَّاسَ في كلِّ زمانٍ مغرمون بالبطولة، متيَّمون بالشَّجاعة؛ تهفو قلوبُهم إلى الكلماتِ المفعمة بسمو العزائم، والأفعال التي تشي بنبلِ الأخلاق، والتعلق بأسبابِ المجد.



وإنهم في كلِّ زمان أيضًا يبغضون الذُّلَّ، ويكرهون المهانة، ويعافون الخلودَ إلى الأرض، وإذا وقع من أحدِهم شيءٌ من ذلك، لم يسره أن يظهرَ أمام النَّاسِ، بل هو يخفيه كما تُستر السوءات، التي يُستحيى من بروزِها.



لا جرم أنَّهم يذكرون ما يحبُّون، وينسون أو يتناسَوْن ما يكرهون.



ويتأكَّدُ هذا الأمرُ في عصور الهزيمة، وحِقب الانحطاط، حين يعوز النَّاسُ أن يمارسوا البطولة، أو يروها ماثلةً أمام أعينِهم؛ فيلجؤون إلى تمثلِها في التاريخ، وتصورِها في أزمنة الماضي.



فهل يفهمُ أشراف المسلمين وأهلُ الفضلِ منهم هذا المعنى الخطير، فيبادرون إلى تدوينِ أسمائهم في سجلاتِ الفخار، بالمدادِ الذي لا يُمحى؟



الدرس الثالث:

قد يجتمعُ في الشَّخصِ الواحد خيرٌ وشرٌّ، ويمتزجُ في سيرته حقٌّ وباطل، وتتجاورُ في أقوالِه وأفعاله الحسناتُ والسَّيئات، فالسعيدُ من غلب خيرُه شرَّه، وغمر حقُّه باطلَه، وفاقتْ حسناتُه سيئاتِه.



والمتطلب في بني البشر - حاشا من عصمَهُ الله من الأنبياء والمرسلين - خيرًا محضًا لم تداخلْه شبهةُ شرٍّ، وحقًّا صرفًا لم تخالطْه شائبةُ باطلٍ - كالذي يتطلبُ جذوةَ النَّار المتَّقدة في حضنِ الماء.
فَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لاَ تَلُمُّهُ
عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ



الدرس الرابع:

قراءةُ التاريخِ ينبغي أن تكونَ بنظرةٍ شاملة، لا تجتزئ ببعضَ المواقف والأحداث وتبني عليها حُكْمًا عامًّا، فالاستنادُ إلى بعض مواقفِ المعتمد دون بعضِها الآخر، أفضى ببعضِ النَّاسِ إلى فَهْم مغشوشٍ لشخصيةِ الرَّجل.



ولا يزالُ كثيرٌ من الذين يكتبون في التاريخ - من المعاصرين خصوصًا - ينظرون إلى الدول السَّابقةِ، وأعلام التاريخ نظرةً سطحية، تنطلقُ من فكرةٍ مسبقة جاهزة، ثم تعممها على الشخصِ المحكوم عليه، أو الدولة المراد تقويمها، بطريقةِ التجزيء والاقتطاع.



فإذا أرادوا إظهارَ صورةِ شخصٍ صالح يستحقُّ الثناء، ضخَّموا كلَّ مواقفِه الحسنة، وأغفلوا كلَّ مثالبِه - قلَّتْ أو كثرتْ - والعكس بالعكس.



والحقيقةُ التاريخية في غالبِ الأحيان أعقدُ من ذلك بكثير، وأغلبُ النَّاسِ يجتمع فيهم خيرٌ وشر، وحقٌّ وباطل، فالمنهجُ العلمي يقتضي إبراز كلِّ ما ثبتَ من الحقائق التاريخية، ولا يعملُ منهجَ الموازنات إلا عند إرادةِ إصدار الحكمِ النهائي على الشخص، فحينئذٍ يوازنُ بين الحسناتِ والسيئات، ويحكم بالغالب.



الدرس الخامس:

إنَّ الحكم على الأشخاص - قدماء أو محدثين - ينبغي أن يكونَ معتمدًا على ضوابطَ شرعيةٍ واضحة، ومن أعظمِ الخطل أن تُتركَ هذه الضوابطُ لغيرِ حملة الشريعة؛ من الأدباء أو الإعلاميين أو كلِّ مَنْ بضاعتُه التقميش السَّاذج في كتب التواريخ.



إنَّ للأدباء - على الخصوص - طرائقُ عجيبةٌ في تزيين القبيح، وتشويه الحسن، وهذه القدرةُ تحسب لهم في مقاماتِ الأدب، ومراتب الفنِّ، ولكنَّها لا يمكنُ أن تغيرَ الحقائق الثابتة، فالحسنُ حسنٌ والقبيحُ قبيحٌ.



ويحضرني في هذا البابِ ما نقله الجاحظُ عن مالكِ بن دينار أنَّه قال: "ربَّما سمعت الحجاجَ يخطبُ؛ يذكرُ ما صنع به أهلُ العراقِ وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنَّهم يظلمونه وأنَّه صادقٌ لبيانِه وحسنِ تخلُّصِه بالحجج"[8].



ويحضرني أيضًا هجاءُ المتنبي لكافور الإخشيدي في تلك الدالية السائرة، التي ما أنشدها طالبُ أدبٍ إلا ظهرَ له المهجوُّ في أقبحِ صورة؛ حسًّا ومعنًى، مع أنَّ التاريخَ يشهدُ لكافور بحسناتٍ ومقامات عالية في العدلِ وسياسة الدولة[9].



وهذه فتوحُ "سيف الدولة" خلَّدها المتنبي بشعرِه، مع أنَّها إذا قِيست ببعضِ المعارك الكبرى التي انتصف فيها المسلمون من أهلِ الشِّرك؛ كحطين وعين جالوت، لم تكن شيئًا مذكورًا، ولكنَّه سحرُ البيان!



الدرس السادس:

اشتهر المالكيةُ في القديمِ بالشِّدة في الحقِّ، والصَّرامة في قطع دابرِ الباطل، خاصةً في مسائل الاعتقاد، كما تراه جليًّا في فتواهم التي نقلنا آنفًا، واشتُهِر في المشرقِ إحالة قضايا الزنادقة والمرتدين على القاضي المالكي دون غيرِه، لِمَا عُرِف عن المالكيةِ من تشددٍ في هذا الباب[10].



أمَّا في هذا العصر، فقد ابتُلي المذهبُ المالكي بقومٍ ينتسبون إليه زورًا، ما تركوا بابًا من أبوابِ التمييع إلا طرقوه، ولا سبيلاً من سبلِ التَّساهلِ المذموم إلا سلكوه، حتَّى صار المذهبُ المالكي في أذهانِ كثيرٍ من عوام النَّاس مرادفًا للتساهل وموافقة الهوى.



ومن هنا تعظمُ الحاجةُ إلى تصحيحِ هذه الصورة المغلوطة، دونَ إفراطٍ ولا تفريط، وتقعُ مسؤوليةُ ذلك على كبارِ فقهاء المالكية في عصرِنا.



الدرس السابع:

قد يقعُ لبعضِ المؤرِّخين أو الأدباء شيءٌ من التحامُلِ غير المقصود - في الغالب - على البربر، أهلِ المغرب الأصليين، ومثاله ما وقع لجرجي زيدان في روايتِه "شارل وعبدالرحمن"، وللشيخِ الأديب العلاَّمةِ علي الطنطاوي - رحمه الله - في قصتِه "عشية وضحاها" ضمن "قصص من التاريخ"، ولغيرهما.



وفي هاتين القصَّتَين يظهرُ البربرُ بمظهرِ الهمج الرِّعاع، الذين لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، ولا يمتون إلى أسباب الحضارةِ بصلة.



والحقُّ أنَّ البربر كغيرِهم من أمم الأرض، فيهم الخيرُ والشرُّ معًا، ولا تتمحض نسبتهم إلى أحدِهما.



نعم، ذكر المؤرِّخون أنَّ انتشارَ الإسلام فيهم مرَّ بكثير من العراقيل، حتَّى إنَّ كثيرًا من قبائلهم ارتدت عن الإسلام نحوًا من اثنتي عشرة مرة[11]، ولكنَّهم بعد أنْ عرفوا الإسلام حقَّ المعرفة، وخالطتْ بشاشته قلوبهم، تمسَّكوا به أشدَّ ما يكون التمسك، ونافحوا عنه أمامَ أعدائِه، وانطلقوا برايتِه يحملونها ما بين البرانس شمالاً وأقاصي إفريقيا جنوبًا، ولا يزالون - في الغالب - على هذه الحماسةِ الدِّينية إلى يومِ النَّاس هذا.



إنَّ بعضَ الكتاباتِ قد تكون نيةُ أصحابِها حسنةً، ولكنَّها قد تتخذُ مطيةً لبعض دعاة العصبية، وسدنة العنصرية العرقية، فليحذرِ الأدباءُ من إرسالِ أعنَّةِ أقلامِهم في بعض المراتع الوخيمة.



والحمد لله ربِّ العالمين.


[1] نفح الطيب؛ للمقري (4/274).

[2] نفح الطيب؛ للمقري (4/359)، وتاريخ الإسلام؛ للذهبي (32/25)، وفيه أنَّه أجاب الإذفنش بقوله:

الذُّلُّ تَأْبَاهُ الْكِرَامُ وَدِينُنَا
لَكَ مَا نَدِينُ بِهِ مِنَ الْبَأْسَاءِ
سُمْنَاكَ سَلْمًا مَا أَرَدْتَ وَبَعْدَ ذَا
نَغْزُوكَ فِي الْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ
اللهُ أَعْلَى مِنْ صَلِيبِكَ فَادَّرِعْ
لِكَتِيبَةٍ خَطَبَتْكَ فِي الْهَيْجَاءِ
سَوْدَاءَ غَابَتْ شَمْسُهَا فِي غَيْمِهَا
فَجَرَتْ مَدَامِعُهَا بِفَيْضِ دِمَاءِ
مَا بَيْنَنَا إلاَّ النِّزَالُ وَفِتْنَةٌ
قَدَحَتْ زِنَادَ الصَّبْرِ فِي الْغَمَّاءِ

[3] سير النبلاء (18/583)، وفي المعجب للمراكشي (دار الفرجاني - ص 115): "فخرج المعتمد حنقًا وبيدِه الطبرزين حتى صعد الغرفةَ التي فيها ابنُ عمار، فلمَّا رآه علم أنه قاتله فجعل ابن عمار يزحف - وقيوده تثقله - حتى انكبَّ على قدمي المعتمدِ يقبلهما والمعتمدُ لا يثنيه شيء فعلاه بالطبرزين الذي في يده ولم يزل يضربه به حتى برَد"!

[4] نفح الطيب (1/440).

[5] صدق الحبيبُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين قال في الحديث الصَّحيح: ((يكفرْنَ العشيرَ ويكفرنَ الإحسان: لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدَّهرَ، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قط)).

[6] تاريخ ابن خلدون (6/187).

[7] الدواهي المدهية لجعفر بن إدريس الكتاني (111)، ينقله عن نوازل البرزلي.

[8] البيان والتبيين (1/311)، دار الهلال، ت: علي أبو ملحم.

[9] قال الذَّهبي في ترجمته من سير النبلاء: "وكان مهيبًا، سائسًا، حليمًا، جوادًا، وقورًا .."، وقال أيضًا: "وكان ملازمًا لمصالحِ الرعية، وكان يتعبَّدُ ويتهجَّدُ ..".

[10] وقد يكون الأصل في ذلك مذهب مالك في عدم استتابة الزنديق، قال ابنُ رشد في (البيان والتحصيل) 16/391): "هذا أمرٌ متفق عليه في المذهبِ أنَّ المرتدَّ المظهرَ الكفر يُستتاب، وأنَّ الزنديق والذي يسر اليهودية أو النصرانية أو ملة من الملل سوى ملة الإسلام يقتل ولا يستتاب، والشَّافعي يرى أنَّهما يستتابان جميعًا...".

[11]اشتهر قول ابن خلدون في مقدمته؛ مؤسسة الرسالة، ت: مصطفى شيخ مصطفى، (ص: 173)، قال ابن أبي زيد: ارتدت البرابرةُ بالمغربِ اثنتي عشرة مرة، ولم تستقر كلمةُ الإسلام فيهم إلا لعهدِ ولاية موسى بن نصير فما بعده.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/32514/#ixzz1Q1jbYAwY

الأحد، 1 مايو 2011

دور العربية في البعث المنشود بين الواقع والآمال

إنَّ انبعاثَ الأُمم التي تراكمتْ عليها حِقبٌ زمنيَّة متطاولة مِن الجمود والهوان، يمرُّ - في العادة المطَّردة التي لا تكاد تنخرِم - عبرَ إحياء القِيَم الفِكرية والثقافيَّة التي منها قوامُ حياتها، وبها تحصيلُ تميُّزها الحضاري.



والأمَّة الإسلامية لا تشذُّ عن هذه القاعدة، فإنَّها سُنة كونية دلَّ عليها استقراءُ تاريخ صعود الحضارات وسقوطها.



ولا شكَّ أنَّ اللغة هي أعظمُ هذه الأُسس الفكرية والثقافية، التي يمكن توحيدُ الأمة على بِساط مراعاتها، وحِفظ أصولها الكُبرى[1].



وإذا كان الأمرُ صحيحًا في الأمم كلها، واللغات جميعها - وهو صحيحٌ بلا ريب - فكيف يكون الحالُ إذا كانتِ الأمَّة هي الموصوفة في كتاب الله تعالى بأنَّها ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، وإذا كانتِ اللُّغة هي تلك التي اختارَها الله - عزَّ وجلَّ - لتكونَ وعاءً لأشرفِ كلام، وأفصحِه وأسماه؟



إنَّ الأمَّة الإسلاميَّة - بعربها وعجمها - عاشتْ أعظم مظاهِر عظمتها، وأسْمق تجليَّات رقيها، حين كانتْ متحلِّقةً حول مائدة اللُّغة العربية، تنهل مِن صفاء معينها الذي لا يَنضَب، دون أن تُغفِل اللغات الإسلامية الأخرى[2]، تعلمًا وتعليمًا.



وإنَّ الأمَّة بعدَ ذلك عرفت أحْلك ليالي ذلِّها، وتخلفها عن ركْب الحضارة المنطلق، حين تركتْ هذه اللغةَ الجامعة الموحِّدة، وانشغلتْ عنها بلغات قوميَّة متنافرة، ثم بعد ذلك بلغات الأعداء المتربِّصين.



أهمية العربية:

ولذلك فيُمكن القول: إنَّ اهتمامنا بالعربية اليوم هو دعوةٌ إلى ربْط حضارتنا المتلجلجة في مخاضِ انبعاثها العسير، بتلك الأُسس الراسِخة التي قامتْ عليها حضارتُنا الشامخة في تلك الأزمنة الراقية[3].



إنَّ إتقان العربية مظهَر ساطع للارتباط النَّفْسي بالقرون المفضَّلة، في عِلمها وعَملها، في دعوتها وجهادها، في انتصاراتها وإشعاعها الحضاري العالمي؛ لأنَّ العِلمَ بأحوال المقتدَى به أول درجات الاقتداء، والترجمةُ - باللُّغات الإسلامية أو باللهجات العامية المنحرِفة - حجابٌ كثيف يمنَع الفَهْم الدقيق، والتفاعُل الإيجابي المتكامِل.



ثم إنَّ هذا الارتباط المنشود يُصبح أكثرَ حساسيةً، حين يتعلَّق الأمر بنصوص الوحيين، فالمسألة حينئذٍ تُصبح مسألةَ معرفةِ مُراد الله تعالى مِن البشر المتلقِّين للخطاب القرآني، والعِلم بما يطلبه الشارعُ مِن عموم المكلَّفين، وبعبارة أوضح: فإنَّ فَهْم نصوص الكتاب والسنة لا ينفكُّ عنِ المعرفة الشاملة باللغة العربيَّة، التي هي وعاؤهما ومحضنهما.



وبعدَ نُصُوص الوحي، يأتي ذلك التراكمُ المعرفي الهائِل الذي دبَّجتْه أناملُ علماء الأمَّة، عبرَ أكثرَ مِن خمسة عشر قرنًا من الإنتاج الفِكري الدائب، ممَّا لا نظيرَ له في أمَّة من الأمم الأخرى، إنَّ الاستهانة باللُّغة العربية، أو محاولة تخريب أصولِها بدَعْوَى التجديد، تفريط إجْرامي في تُراث حضاري شامِخ، لا يُمكن النهل من معينه الثرِّ إلاَّ من طريق هذه اللُّغة.



ونحن أخيرًا عندما ندعو إلى الوَحدة الإسلاميَّة الجامعة، نؤمِن بأنَّ ذلك لا يكون إلا بإحياء التوحيد اللُّغوي بين المسلمين، عبْرَ وشيجة اللُّغة التي اصطفاها الله تعالى لكتابه، واختار خاتمَ رُسله من أهلها، ويُحرجني كثيرًا أنَّني أحتاج في بعضِ البلاد الإسلامية التي أزورَها إلى الكلام بالإنجليزية لتحصيلِ التفاهُم، أليس مِن الأولى أن تكون الواسطةُ بيننا لغةَ القرآن، التي هي لُغتي الأصلية، ولُغة المسلمين الدينيَّة - إن صحَّ التعبير؟!



وليس معنى ذلك أن نغفل اللُّغاتِ الإسلامية الأخرى، أو نُهمل دورَها الحضاري، ولكن يَنبغي أن تكون العربيةُ محورًا توحيديًّا نابعًا من الإسلام، تتفرَّع منه اللغات الأخرى.



الواقع:

هذه إذًا أهمية اللغة العربية، في التركيب الإجمالي للبَعْث الإسلامي، فأين وصلتِ الدعوة إلى التمسُّكِ بها في واقعِ الأمَّة؟



لا نبعد النُّجْعةَ كثيرًا إنْ قلنا: إنَّ الأمَّة تعيش أزمةً لُغوية خانقة، ليستْ بمعزل عن الأزمة الحضارية العامَّة التي تتخبَّط فيها.



ويُمكننا أن نُجمل الإشكالات اللُّغوية في محورين كبيرين، في كلٍّ منهما مسائل كثيرة، سنعرِضها باختصار، مع إيماننا العميق أنَّ عَرْض كل مسألة منها وتحليلها يحتاج إلى مقالاتٍ متعدِّدة، فضلاً عن مقال واحد.



معاول الهدم الخارجيَّة:

خرَج المحتلُّ الأجنبي مِن بلاد المسلمين بعساكره، وخلَّف وراءَه من ثقافته وحضارته الشيءَ الكثير، وأخطر ما ترَك: لُغته التي صارتْ مِن بعده الأداة الفاعلة للارتباط الثقافي الوثيق بيْن الأجنبي ومستعمراته السابِقة.



ولم تُعانِ اللُّغة العربية قطُّ في تاريخها الطويل مِن ضيم مِثل هذا الذي تُعاني منه بسبب هذه اللُّغات المتسلِّطة على رِقاب أهل القرآن، فقد تحرَّفت بسببها تراكيبُ العربية، وتغرَّبت ألفاظها، وذابتْ أفانين بلاغتها؛ بل فسدتْ أذواق أهلها في الأدب والشِّعر، وفي كلِّ فن مِن فنون القول.



واتَّسع الخرْقُ على الراقع حين تناسلتِ العلوم العصريَّة والتقنيات الحديثة، الوافدة مِن بلاد الغرْب بجحافل مصطلحاتها التي لا تُحصَر، ووجَد القائمون على اللُّغة العربية أنفسَهم في دوَّامة لا تنتهي مِن التعريب، الذي لا أثَر له في الواقع، ممَّا دفَع أكثر المسلمين إلى التخلِّي أكثرَ عن العربية، والتشبث بلغاتِ الغرب.



معاول الهدم الداخليَّة:

وبمقابل هذا الغزو العاصِف من الخارج، وُجِدتْ في داخل البلاد الإسلامية دعواتٌ هدَّامة، تصدر عن مقاصد مشبوهة، وتتدثر بمسوح البحْث العلمي المتجرِّد، مع أنَّها لا تُخفي غالبًا ارتباطها بدوائرِ القرار الاستعماري، فمن ذلك:

• الدعوة إلى العامية، واستبدال الفصحى بها، وهي دعوةٌ قديمة تصدَّى لها أئمَّة اللغة في العصر الحديث، ولكنَّها تظهر رأسها بين الفَيْنة والأخرى.



• الدعوة للكتابة بحروف الهِجاء اللاتينية، وإلْغاء الحروف العربيَّة، بدَعْوى صعوبة قواعد الإملاء.



• الدعوة لتجديدِ قواعد العربية في النحوِ والصرف والعَروض وغيرها، والمقصود هنا دعوات الهدْم المتستِّرة بحجاب التجديد، أمَّا التجديد البنَّاء فمطلوبٌ محمود.



• الدعوة إلى التيسير في الخِطاب الدعوي[4]؛ لجذْبِ الجماهير الغافلة، ممَّا يُولد لُغة هجينة تُسهِم في تدنِّي الذوق اللُّغوي العام.



ومِن معاول الهدْم الخطيرة الدعواتُ القومية التي تتبنَّى دعوةً عنصريَّة مقيتة، تفرِّق بين المسلمين عَربِهم وعَجمِهم، إنَّ الخلط في الوعي الجَماعي بين دعوتنا النقيَّة مِن شوائب العصبيَّة، وبيْن هذه الدعوات القوميَّة الكالحة، ذات الأبعاد السياسيَّة المشبوهة، يُسيء كثيرًا إلى مستقبل اللُّغة العربية ودَوْرِها في البَعْث المنشود.



التطلعات:

هكذا الواقع كما يبدو للمتأمِّل، مع أنَّ ما أغفلتُه مِن الصور القاتمة أكثرُ ممَّا ذكرتُه!



لكن خطورة المرَض لا تَزيدنا إلا إصرارًا على التحدِّي، بالبحث عن أفضلِ أنواع العلاج، والذي يظهر مِن تدبر الواقع، واستشراف المستقبل، أنَّ العلاج يكمُن في المحاور الآتية:

أولاً:

أنَّ أوَّل ما يَنبغي أن يعتقدَه كلُّ حامل لهمِّ هذه القضية اللُّغوية، أنَّها من الأولويات العُظْمى، وليستْ من قبيل التَّرَف الفِكري، أو الكمال الثقافي، إنها باختصارٍ قضية مصيرية: قضية حياة أو موت مِن الناحية الحضاريَّة، وإذا كان الأمرُ كذلك، فمِن الغلط الشنيع أن يوزَّع عليها فتاتُ الأوقات والجهود[5].



ثانيًا:

أنَّ إحياءَ العربية وإشراكها في البَعْث الحضاري للأمَّة: قضيةٌ إسلاميَّة، يَنبغي أن يحمل لواءَها العامِلون للإسلام مِن العلماء والدُّعاة والإعلاميِّين وقادَة الجماعات والجمعيَّات وغيرهم، ولا يَنبغي أن تُترَك القضية بأيدي دُعاة القوميَّة، فإنَّ إفسادهم في هذا الباب أكثرُ مِن إصلاحهم، وأهل الإسلام أقْدَر مِن غيرهم - لأسباب موضوعية وذاتية - على القيامِ بواجب البعْث اللُّغوي.



ثالثًا:

أنَّ المَجامِع اللُّغوية التي تنتَشِر في أرجاء العالَم العربي، لم تعُدْ قادرةً على تحقيق الأدوار التي أُنيطت بها؛ وذلك إمَّا لقصور ذاتي بسببِ قلَّة انفتاحها على علماءِ اللُّغة المبرزين، واكتفائها في أحايينَ كثيرةٍ بأصحاب الشهادات الأكاديميَّة بقَطْع النَّظَر عن شرْط الكفاءة؛ وإما لقصورٍ منهجي، جعَلَها تكتفي بوضعِ قوائمِ التعريب للمصطلحات الحديثة، في انفصام كُلي عن الواقع اللُّغوي للأمَّة، التي صار كثيرٌ مِن أفرادها ينظُر إلى هذه الألفاظ المستحدَثة برِيبة أو سُخرية.



إنَّ معالجة هذين النوعين من القُصور كفيلٌ بإحياء كثيرٍ ممَّا اندثَر مِن مباهج هذه اللُّغة الكريمة.



كما أنَّ المَجامع ينبغي أن تضطلعَ بدور الترغيب عبْر تبنِّي المسابقات الأدبيَّة واللُّغوية المحكَمة، التي يمكنها أن تُثمِر كتبًا ومقالات ودواوين شِعر، وأبحاثًا لُغوية، في مستوى لُغة القرآن.



رابعًا:

عرَفت الأمَّة منذ عصر النهضة الحديثة مجهوداتٍ كثيرةً في مجال التجديد اللُّغوي، لكنَّ كثيرًا منها ترَك سبيل كلِّ حركة تجديدية ناجعة؛ أي: سبيل تيسير الأساليب، واستخدام التقنيات الحديثة في العَرْض، وتقريب كنوز التراث إلى الجماهير المتعطِّشة للمعرفة، وسلك طريق الهدْم المنهجي للمضمون الزاخِر الذي أظهر كفاءتَه عبْر القرون المتطاولة!



إنَّ تيسير النحو أو البلاغة أو العَروض، أمرٌ مطلوب، لكن على أن يكون بناءً يُرمِّم ما تخرَّب، ويُزين ما أفسدتْه قرون الجمود، لا أن يكون هدمًا واستئصالاً، يَقطع صلةَ حاضر الأمَّة بماضيها[6].



خامسًا:

للتعليم دَورُه الذي لا يجحد في البَعث اللُّغوي المرجوِّ، ومِن أعظم المهلكات الحضارية ما نراه مِن تشتُّت لُغوي ذريع في مدارسنا، يُعاني منه أطفالُ الأمَّة.



إنَّ أذهان الأطفال كالعجين الذي يُمكن أن يُشكِّله المربِّي على أيَّة هيئة يشاء، فإذا حُشي باللغات الأجنبية قبْل التمكُّن مِن لغته الأصلية، أوْشَك هذا الذِّهن أن يتنكر لثقافته ودِينه، ويحنُّ إلى ثقافة الآخرين وحضارتِهم، كما هو مشاهَدٌ في متغرِّبي الأمَّة، الذين فقدوا الأواصرَ التي تجمعهم بأمَّتهم، حين فقَدوا - منذُ الصغر - تعلُّقَهم بلُغة الضاد.



ينبغي أن يتحرَّر التعليمُ في بلداننا مِن عقدة اللُّغة الأجنبية، التي خلَّفَها المستعمر وراءَه، وترَك معها سَدنةً يقومون بواجبِ المنافحة عنها، وتعبيد السُّبل أمامَها إلى أذهان الناشِئة.



سادسًا:

إنَّ على الدعاة الذين يَنهدُون بأعباء نشْر كلمة الإسلام، وتبليغها إلى القلوبِ والعقول، أن يَجعلوا من العربيةِ السليمة مِن أوضار العُجمة وسيلتَهم الأولى في خِطاب الجمهور، لا يَعْدِلون عنها إلى العاميات المبتذلة التي تُفرِّق ولا توحِّد، إلاَّ لضرورة معتبَرة، أو حاجة متيقَّنة.



أليس غريبًا أن تجِدَ الفضائيات الإسلامية تعجُّ بألوان مِن العامية، التي تُؤذي الآذان والعقول، وتَمْسخ الوعي الفِكري، بدلاً من أن تكونَ منارةً لنشْر العربية، وتعليمها وحثِّ الناس على حبِّها والتعلُّق بها، كما يتعلَّق الغريق بطوقِ النجاة؟!



لِمَ لا تتبنَّى هذه القنواتُ برامجَ منهجيَّةً لتعليم العربية لغير العرَب من المسلمين، وللعرَب بالنسب دون الثقافة، كما تتبنَّى الوعظ الجماهيري، والتربية العامَّة؟!



سابعًا:

تميَّز عصْر النهضة الأدبية الحديثة بصدور مجلاَّت أدبيَّة ولُغوية سامقة، تبنت جمعًا من كبار الأدباء والباحثين، بثُّوا في الأمة ثقافةً عربيةً رصينة، ما يزال أثرُها غضًّا طريًّا، إنَّ مِن أعظم ما ينبغي العناية به: خلْق مجلاَّت لُغوية وأدبية دورية ومُحكَّمة، تقتنص الأدباء المتمكِّنين، واللُّغويين المتمرِّسين، وتنشُر لهم ما تجود به قرائحُهم، فتنتشلهم مِن حمأة الخمول الذي تردَّى فيه أكثرُهم، ومِن ذلِّ الهجران الذي يلقونه مِن معاصريهم، حتى صار كثيرٌ منهم يكتبون ولا ينشرون؛ فتضيع مواهبُ زَكيَّة، ومقدَّرات عليَّة.



لقد تعِب مثقَّفو الأمَّة الرصينون مِن هذه الدوريات التي تنشُر الأدب الحداثيَّ الذي لا يكاد يُفهَم، والدراسات اللُّغوية التي تهدِم لذات الهدْم، وتتنكر للقديم؛ لأنَّه قديم!



وإذا كانتِ المجلات تُعاني من همومِ النشر، بسبب غلاء أسعار الطباعة، وقلَّة ذات يد القارئ العربي، فإنَّ كثيرًا من أصحاب الأموال الغيورين على لُغة القرآن لا يُمانعون في تبنِّي مِثل هذه المشروعات العظيمة، ثم إنَّ في النشر على الشبكة العنكبوتيَّة - إذا رُوعيت فيه ضوابطُ الجودة - ما يُفرِّج كثيرًا مِن هذه الهموم.



هذه بعضُ المقترحات التي يكفُل الأخذ بها - بجدٍّ وحِرص - أن يُعيد للعربية مجدَها، ويجنِّدها مِن جديد؛ لتشارك في البعثِ الإسلامي الشامِل.

[1] الاعتناء باللُّغة كان - ولا يزال - قاسمًا مشتركًا بين كل الدعوات إلى إحياء الأُمم والقوميات، ولا يَعرف التاريخ أمَّةً انبعثت من رقدتها وهي ترطن بلغات أعدائها وخصومها، وهذه دولةُ اليهود في فلسطين أَحيتْ لغة ميِّتة غير متداولة هي العِبرية، لا لشيءٍ إلا لإيجاد اللحمة الجامِعة بين أشتات المهاجرين اللُّقطاء!

[2] أقصد باللُّغات الإسلاميَّة تلك اللُّغات التي حملتها إلى دائرة الإسلام شعوب غير عربيَّة، كان لها في الإسلام قدمُ صِدق لا يتمارَى فيه؛ كالفارسية والتركية والكردية والبربرية، ونحوها، وهي كلها لغات بينها وبين العربيَّة علائقُ تأثير متبادلة لا يُمكن جَحدُها.

[3] ولا نحتاج إلى التنبيهِ على أنَّ المراد بذلك الربط توثيق العُرى الفكرية؛ لتمثل الصواب في العقائد والأفعال، مما يتجاوز حدودَ الزمان، وليس المراد قطعًا الجمود فيما يكون الأصل فيه الحرَكة التجديديَّة الدائبة.

[4] المطلوب مِن الداعية تعليمُ الجماهير ورفْع مستواها الفِكري، دون أن يقَع في مزلق الخِطاب النخبوي المتخصِّص، والمُشاهَد اليوم نوعٌ من التيسير المجحِف باللغة والفِكر، يسفُّ فيه الداعية إسفافًا بالغًا، بدعْوَى الهبوط إلى مستوى الجُمهور.

[5] درَج علماءُ الشريعة قديمًا على جعْل تعلم العربية أوَّل ما يبدأ به الطالب بعدَ القرآن؛ بل ذهَب جماعة إلى تقديمِ العربية على القرآن؛ لأنها أداة فهْمه، هذا في زمنهم الذي لم يكُن للعربية منافِسٌ معتبر مِن اللغات الأجنبية، فكيف يكون الحُكم في زماننا؟!

[6] للدكتور محمَّد محمد حسين كلامٌ طيِّب في إنكار هذه الدعوات الهدَّامة، نقله صاحب "أعلام وأقزام"(468/1-470).

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Literature_Language/0/31479/#ixzz1Q1isf8jZ

الاثنين، 25 أكتوبر 2010

دور المرأة المسلمة في الحياة

حدَّثني صاحبي فقال:
"أحبُّ أن أخبرَك عن حادثة وقعتْ لبعض معارفنا، لم أجدْ لها مسوِّغًا في عقلي، ولا قَبولاً في قلبي، ولقد وجدتُ مِن أثرها ضيقًا وكَدرًا، حتى أزمعتُ أن أعرضَها عليك، لعلَّك تُفيدني بشيءٍ من مصادرها ومواردها، فأتسلَّى بتحليل الواقعة عن تحمُّل وقْعِها على النَّفْس".

فقلتُ: "أخبرني بما بدا لك، فإنَّك لستَ أوَّل مَن يَعرض عليّ من غرائب المجتمع ما تطول منه فِكرتي، وتنشغل به مُهجتي".

فقال الرجل:
"هذه امرأة متديِّنة محجَّبة، نعرفها بالخير والالتزام بالشرْع، وهي فوق ذلك أستاذة جامعيَّة، وداعية إلى الله في المساجد والبيوت، ولها من الذريَّة ما تقرُّ به العين".

فبادرتُ قائلاً:
"هذا كله حَسَنٌ طيِّب، فأين الإشكال؟".

فقال:
"الإشكال - يا عزيزي - أنَّ هذه المرأة جاءتْها دعوةٌ للتدريس في بعض البلاد خلال الإجازة الصيفيَّة، فرحلتْ مع زوجها، وتركتِ الأبناء لأنفسهم، وفيهم مَن هو في سنِّ المراهقة، فكأنَّها قدَّمتْ مصلحة عملها خارج البيت على مصلحة عملها داخله".

فقلتُ:
"وهل يستقيم في ذهْنِ مسلمة عاقلة أن تعقِدَ المقارنة أصلاً بين عملها داخل البيت وخارجه، فضلاً عن أن تقدِّم ثاني العملين على أولهما؟!".

هذا ملخَّص الحادثة التي دفعتْني إلى كتابة هذه السطور.

إنَّ المرأة المسلمة تعرَّضتْ في مرحلة ما يُسمَّى: "بالاستعمار" إلى عملية تغريبية طاغية، جعلتْها تخرج قَسْرًا من أخلاقها الإسلامية، وتكتشفُ في كثير من الدهشة - التي سَرعان ما تحوَّلت إلى غبطة - بعض أحوال المرأة الغربية، وظنَّتِ المرأة المسلمة - ومَن وراءها من دُعاة التغريب - أن هذا الذي يأتي من الغرب هو أفضل ما تكون عليه المرأةُ؛ في أخلاقها وطباعها، وعلاقاتها داخل المجتمع.

وسارت المرأة على هذا التغريب ردحًا من الزمن؛ حتى تشكَّلتْ بسبب ذلك أجيال من النساء المنقطعات - كُليًّا أو جُزئيًّا - عن ماضيهنَّ الإسلامي المشْرِق، ولم يكنْ ذلك انقطاعًا في الظواهر والأفعال، وإنَّما عُجِنتْ نفوس النساء من جديد، وحُوِّرَتْ عقولهنَّ وقلوبهن، فتغيَّرت آمالهنَّ وطموحاتهن، وتبدَّل مفهومُهن للحياة، وتصوُّرُهنَّ لدور المرأة في الكون.

فلمَّا جاءت الصحوة الإسلامية تريد الإصلاح ما استطاعتْ إلى ذلك سبيلاً، حاولتْ أن تُرْجِعَ المرأة إلى مواقعها الأصلية، التي في ملازمتها صلاحها وصلاح مجتمعها؛ ونجحتْ - والحق يُقال - في كثيرٍ من ذلك، ولكنَّها لم تتمكَّن من الإصلاح الجَذْري لِمَا استقرَّ في النفوس، وانطوتْ عليه القلوب؛ ولذلك صِرْنا نرى مثل هذه النماذج الكثيرة، لنسوة صالحات ملتزمات بشريعة الله إجمالاً، ولكنهنَّ لا يَمْلكنَ من فقه الأولويَّات ما يُرَجِّحْنَ به مسؤولية بيوتهنَّ، وتكاليف أمومَتِهن، على ما يُسمَّى في حضارة الغرب: "الازدهار الذاتي"، أو "التنمية الشخصية".

فصِرْنا محتاجين إلى إعادة التركيز على كثيرٍ مما كنَّا نظنُّه من البديهيات التي لا نزاعَ فيها عند المتدينين؛ إذ كلامنا ليس عن عوام المسلمين، ولا عن طائفة المتغرِّبين في فِكرهم ووجدانهم، وإنَّما عن الذين يحملون همَّ هذا الدين، ويسعون إلى إحياء ما انْدرسَ من أمجاده، وإعادة تطبيقه في المجتمعات والدول.

لقد وقَعَ في العقود الأخيرة انحرافٌ خطير في مفاهيمنا المتعلقة بدور المرأة في الحياة، وقد بدأ الانحراف حين فتَحَ المتدينون أمام المرأة أبوابَ مشاركة الرجال خارج البيت، وما فَتِئ الشيطان يسوِّل خطوة بعد خطوة؛ حتى فُتِحتْ تلك الأبواب على مِصراعيها، واتَّسعَ الخَرقُ على الراقع.

ولقد كان الدعاة في أول الأمر يركِّزون على أنَّ هذا الخروج لا بُدَّ له من ضوابط ينبغي مراعاتها، وقيود لا بُدَّ من التزامها، لكن ما لبِثَ السيلُ الجارف أن أتى على الأخضر واليابس، فما عاد أحد - إلاَّ القليل - يكترثُ لتلك الضوابط والقيود، وصِرْنا نرى المرأة المتدينة مشارِكة في المجالس النيابيَّة والجماعيَّة، وعاملة في الجمعيَّات الثقافية والاجتماعية، ومحاضرة في الملتقيات والندوات، عدا عملها الذي تكون فيه طبيبة أو مهندسة أو أستاذة أو غير ذلك، مما لا ينضبط ولا ينحصر.

وأين بيتها في هذا كلِّه؟ وما نصيب زوجها وأولادها من هذه الجهود التي لا تَنِي؟!

أفتكون أمهاتُنا وجَدَّاتُنا الأُمِّيات المحافظات على وظيفة رَبَّة البيت أتمَّ المحافظة، أفضل حالاً من نساء العصر المتعلِّمات الملتزمات؟!

إنَّ على المرأة المسلمة أن تَعِي خطورة انجرافها وراء دُعاة التغريب؛ من حيث تدري أو لا تدري؛ وأنْ تفهمَ عظيمَ أَثَرِ انسياقها في تنفيذ المخططات الكَيديَّة التي ما فتئتْ تجتهد لإخراج المرأة من بيتها، وفَصْمِ علائقها بالمهمات التربويَّة العظيمة التي أناطها اللهُ بها.

إن خروجَ المرأة المسلمة من بيتها، وعدم اكتراثها بمهمتها الأصليَّة في الحياة، يؤدِّي - لا محالة - إلى تفسُّخ الأسرة التي هي نواة المجتمع، وإلى نشوء الأطفال - في غياب أُمَّهاتهم - على موائد يقدَّم لهم فيها غذاء فِكري مَسموم من القنوات التلفازيَّة، أو الشبكة العنكبوتيَّة، أو جهالات الخادمات، أو عبث الأصدقاء، أو نحو ذلك مما ضررُه أكبر من نفْعه، أو مما هو ضررٌ كلُّه.

نعم ليست المرأة المسلمة - كما يَدَّعِي علينا دُعاة التغريب - أداة مُجرَّدة للمتعة الجسديَّة في يد الرجل، ولا هي صورة جميلة أو دُمْيَة فاتنة يتباهى بها الزوج أمام عائلته وأقاربه، ولا هي آلة لتفريخ الأولاد وتكثير النَّسْل؛ ولكن ليستْ كذلك ندًّا للرجل، تَسْمُتُ سَمْتَه في كلِّ ما يأتي ويَذَر، وتجاريه في كلِّ مضمار، وتلاحقه في كلِّ مَيدان.

وإذا كانتْ بعض النسوة في زمن النبوَّة قد تاجَرْنَ أو مارَسْنَ الحِسبة أو خَرَجْنَ للجهاد، فما كان ذلك قاعدة مُطردة، ولا مَهيعًا لهنَّ مسلوكًا؛ وإنَّما كان مندرجًا في إطار الحالات الاستثنائية، التي يُتطلَّب لوقوعها الأسباب والدواعي، ولا تكون أصلاً يُستدلُّ به في عموم الأحوال، أمَّا الأصلُ المتَّبَع، فهو ما دلَّ عليه قوله - تعالى -: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾  [الأحزاب: 33]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((المرأةُ عَورَةٌ، فإذا خَرجَت اسْتَشْرَفَها الشيطَان))؛ أخرجه الترمذي، (3/ 476)، وقال: حديث حَسنٌ غريب.

الأسباب والحلول:
يمكنُنا أن نُجْمِلَ أسباب هذه الظاهرة التي صارتْ متفشِّية في صفوف النسوة المتدينات في الأمور الآتية:
أولاً: تأثير الحضارة الغربية الجارفة، والمرأة مَهْمَا كان تديُّنها لا يُمْكنها أن تبقى منعزلة كلَّ الانعزال عن المؤثِّرات الحضارية الآتية مما وراء البحار.

ثانيًا: أَثَر المدرسة وما تتلقَّى فتياتُنا فيها من مبادئ، بل منظومات قِيَمٍ متكاملة، توجِّه تفكيرهنَّ، وتحدِّد معالِمَ شخصيتهنَّ، ولا شَكَّ أنَّ أغلبَ المناهج التعليميَّة في العالَم الإسلامي لا تُراعي خصوصيَّة تعليم الفتاة المسلمة، وتنشئتها على غير ما ينشأ عليه الفتيان.

ثالثًا: تركيز كثيرٍ من الدُّعاة في خطابهم على المواقف الدينيَّة التي يُمكن أن يُسْتَدلَّ بها على المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، وإغفالهم كثيرًا شَرْحَ دور المرأة المسلمة في بيتها، مع زوجها وأولادها، والغالب أنَّهم يفعلون ذلك حِرصًا منهم على إرضاء الغرب والمتأثرين بمناهجه؛ وذلك لمصلحة نشْر الدعوة في بقاع العالم فيما يَحْسبون.

رابعًا: ضَعف التأطير التربوي للنساء الملتزمات حديثًا، فقد يكتفي المؤطِّرون من أعضاء الجماعات الإسلامية العاملة - في أحايينَ كثيرة - بالتأطير السياسي، وشيءٍ من مبادئ تزكية النفوس، ويغفُلون الجوانبَ الاجتماعية الكبرى، التي ينبني عليها رُقِيُّ المجتمعات الإسلامية أو انحطاطها.

إذا علمتَ هذه الأسباب، فإنَّنا يمكن أن نقترَحَ بعض الحلول العملية، التي تضمنُ بمجموعها الخروج من هذا المأْزِق الاجتماعي الخطير:
• فمن الحلول أن يتفطَّنَ المسؤولون على قطاع التربية والتعليم إلى ضرورة إنشاء مجالات تعليميَّة في المدارس، تكون خاصة بالفَتَيات، وهي التي يصطلح عليها بعض الناس بـ(التربية النسوية).

فإنَّ وجود مثل هذه المجالات كفيلٌ بأن يرسِّخ في أذهان فتياتنا معاني التفريق بين الجنسين؛ في الشخصية، والأدوار، والتطلُّعات.

• ومن الحلول أيضًا أن يعكفَ الدُّعاة المصلحون في محاضراتهم وكتاباتهم على إحياء المفاهيم الإسلامية في مجال المرأة والأسرة، وإماطة ما غَشِيها من غبار التغريب في العقود الأخيرة.

وللدُّعاة مسؤولية كُبرى في تربية النساء على أهميَّة دورهنَّ داخل البيت، وتربيتهنَّ على أن الطموحَ الحقيقي للمرأة ليس في العمل الخارجي، ولا في المشاركة السياسيَّة، ولا في أنشطة الجمعيَّات، وإنَّما أولاً وأخيرًا في بيتها، مع زوجها وأولادها.

وعلى الدُّعاة أن يكونوا في هذا المجال معتدِّين بأنفسهم في مواجهة المتغرِّبين، فلا يكونوا في موقف الدفاع، ولا يرضوا بأن تُوضَعَ قِيَمُنا في قفص الاتِّهام.

• ومن الحلول أخيرًا أن تُقْطَعَ العلائق الخبيثة التي تجرُّ فتياتنا إلى الانبهار بالغرب ومتابعته في كلِّ شيء، وخاصة الأفلام والمسلسلات التي تُظْهِر أنَّ المرأة الصالحة هي التي تعمل خارج بيتها، وتنافِس الرجال في الجليل والحقير؛ وأن رَبَّة البيت هي امرأة تافهة مسكينة، مُعرَّضة لكلِّ أنواع الاستغلال والإذلال.

حفظ الله نساءَنا وفتياتِنا من كلِّ تفسُّخ وانحلال.

الخميس، 14 أكتوبر 2010

إحياء القوة الكامنة في النفوس

(منشور في موقع الألوكة: الرابط)

ما حدود الصَّبر في النَّفس البشريَّة؟ وما المَدَى الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان في تحمُّل الألم، أو الامتناع عن اللَّذَّة المُشْتَهاة، أو ارتقاء مدارج تكميل النفس البشرية؟

لَطالَما لقَّن الآباءُ أبناءهم، والأساتذةُ تلاميذَهم، أنَّ للبشر حدودًا لا يستطيعون تجاوُزَها، وهم في ذلك مُحِقُّون بلا ريب؛ فإن المربِّيَ مطالَب بأن يحمي مَن يُعَلِّمهم مِن غوائل الحماس الفائر، والانبعاث غير المُنضَبِط؛ وهو لذلك يَستعمل كلَّ ما يملكه من الأدوات والوسائل؛ ليكبح جِمَاحهم، وليس يوجد في الموانع والكوابح أقوى من الكابح، الذَّاتي الذي يأخذ بِرَسَنِ النَّفْس، ويمنعها من الانطلاق، على حدِّ قول الشَّاعر في انكفاء النَّفس عن خصوص الخصال القبيحة:

لَنْ تَرْجِعَ الأَنْفُسُ عَنْ غَيِّهَا
مَا لَمْ يَكُنْ مِنْها لَها زَاجِرُ

فَالمُربُّون إذًا يضعون الأَسْوِجة الحافظة، ويَنْفثون في رُوعِ الطِّفل مبادئ الوقاية، وأصول الحماية، فإذا كبِر هؤلاء الأطفال، بقوا - في الغالب - مُحْتمين وراء تلك الضوابط الأصلية، لا يفارقونها إلاَّ لإكراه أو ضرورة، وقلَّ منهم من يَنْزع تلك القيود اختيارًا، ولا يكون ذلك إلاَّ لهِمَّة سامقة تُناطح الجبال، يُسايرها حِداءُ الرغبة، أو مانع الرَّهبة.

هذه الهِمَّة العالية موجودة عند أغلب الناس، لكنَّها في حالة سُبات داخل النَّفْس البشرية، ولا تظهر إلاَّ عند الاضطرار المُلْجِئ:
• تكون الأمُّ وديعة حانية، فإذا تعَرَّض وليدها للخطر، تحوَّلَت إلى لَبُؤة شَرِسة، تتحدَّى الصِّعاب، وتركب الأهوال، بلا تردُّد ولا وجل.

• ويكون الرَّجل الضعيف هادئًا مُسالمًا، فإذا خُدش في عِرْضه، تفَجَّرت براكين غضبه، وأظهر من الشجاعة وقوة النفس، ما لا يتأتَّى نظيره لقوي الجسد، مفتول العضلات.

• ويُوضَع الرجل الذي أَلِف خفْضَ العيش، وطراوة الحياة، في زنزانة مظلمة مُوحِشَة، يقع عليه فيها أصناف من الظُّلم، وألوان من الأذى في نفسه وبدنه، فإذا به يَستخرِج من أعماق مُهْجته من الصبر على الأذى، وتحمُّل المشقة، ما لم يكن يخطر له مِن قَبلُ على بال.

• وتكون الشُّعوب راكعة خانعة، فإذا طعَنَها الطُّغاة الجبابرة في أقدس مُقَدَّساتها، الذي به قِوَام حياتها، وبهجة عيشها، انطلَقَت من قُمْقُمِها، كالنَّهر الطَّامي، والسيل الجارف.

الهِمَّة العالية موجودة إذًا داخل النفوس البشرية، متستِّرة تحت ركام من قيود التربية، وضغوط المجتمع، وجُبْن الطبائع.

وهي تَخرج إلى العلن في بعض الحالات الاستثنائية الخاصَّة، ولكن كيف السبيل إلى إخراجها في غير تلك الحالات؟ وكيف يمكن تفجير القُوَّة التي تحملها النَّفس؛ لِتَظهر في أوقات الدَّعَة والطُّمَأنينة، فترفع صاحبها إلى مصافِّ العظماء؟

•        •         •

إنَّ الإيمان كفيلٌ بإخراج هذه القوَّة المستَتِرة.

وأقصد بالإيمان هنا معناه العامَّ، الذي يشمل كلَّ اعتقاد راسخ في قضيَّة سامية، أو مبدأٍ إنساني خالد، ولستُ أحصره في الاعتقاد الإسلامي الصحيح، الذي لا نَجاة في الدنيا والآخرة إلا به.

ودليل هذا التَّعميم، ما رأيناه مِرارًا عَبْرَ التاريخ من انبعاث القوى الخلاَّقة، من جوف عقائد مخالفة للحقِّ الصريح.

ويحضرني من ذلك مثالان، أوَّلهُما في إنشاء الممالك، وقيادة الأمم؛ والثاني في البطولة الفردية، وسمُوِّ الذات:
فأما الأول: فالثائر الماركسيُّ الأرجنتيني "تشي غيفارا"، الذي أمضى حياته متنقِّلاً في بلاد أمريكا الجنوبية وإفريقيا؛ لِنَشْر ما يظنُّه حقًّا، وللدِّفاع عمَّا يعتقده صَوابًا من الأفكار والمبادئ، ولَمَّا انتصرت ثورتُه في كوبا، لم يلبث إلاَّ قليلاً في منصبه الوزاري، حتى انتقل مرَّة أخرى إلى حياة الأَحْراش والغابات؛ لِيُشعل الثورة من جديد، وبقي على تلك الحال إلى أن قُتِل في بعض غابات بوليفيا.
وأمثال الرجل من الثوريِّين ومؤسِّسي الدُّول، لا يأتي عليهم الإحصاء في التاريخ الحديث والقديم.

وأما الثاني: فالطيار العسكريُّ البريطاني "دوجلاس بيدر" (Douglas Bader) الذي فقد رِجْليه معًا في حادثِ طائرة سنة 1931، وكان جميع من حوله ينتظرون موته؛ لِخَطر إصابته، لكنه تشبَّث بالحياة، وشرع يستعمل رجلين اصطناعيتين للمشي، وعلى الرغم من زَعْم الآخرين أنه لن يستطيع المشي بغير عُكَّازتين، فقد تحدَّاهم وأثبت عكس ما قالوه، بل زاد على ذلك بأن تمَكَّن من سياقة السيارة، وممارسة بعض أنواع الرِّياضة.

ولم تمض غيرُ أعوام قليلة، حتى انطلق إلى قيادة الطائرات الحربية من جديد، وشارك في معارك الحَرْب العالمية الثانية، وحَقَّق فيها انتصارات كبيرة، وفي سنة 1941، أُسقطت طائرته، وأسَرَه الألمان بعد أن فقد رجليه الاصطناعيتين، واتَّفقت الدَّولتان المتحاربتان على السماح للبريطانيين بإرسال رِجْلَين أُخْرَيَيْن للطيار الأسير، وقد حاول "دوجلاس" مرَّات متعدِّدة أن يفرَّ من حبسه، ولم يملك الألمان لمنعه من الفرار إلاَّ أن نزعوا منه رجليه مرة أخرى!

وما أكثر الذين يشابهون "دوجلاس" هذا في هِمَّته العالية، وقدرته الخارقة على تحدِّي الصعوبات، وكسر العقبات.

•        •         •

إنَّ آفة الآفات عند شباب اليوم ضَعْفُ المُثُل العليا، وضمور جانب المبادئ التي تُثْمِر المواقفَ، والخواء الرُّوحي الذي يُطغي مطالب الجسد على لذَّات الرُّوح، همُّهم اليوم اتِّباع الشهوات البهيمية، وحاديهم في عيشهم إملاءات (الهرمونات) المشتعلة.

وكل ذلك في الأفراد، يُنْتِج على الصعيد الجماعي مجتمعاتٍ تستشري فيها ثقافة الخوَر والجُبن؛ ودُولاً تشيع فيها الجبريَّة السياسية، والانحراف الفكري، والضياعُ الأخلاقي، وأُمَّةً مهزومة تستمرئ الهزيمة، وتقبل حياة الخنوع.

ولو قارنَّا شباب اليوم بشباب عَشر السِّتين وعَشر السَّبعين[1] من القرن الميلادي العشرين، لاَنْدهشنا؛ للتفاوت الكبير في الاهتمامات الفِكْريَّة، والحماس العمَلِي، فقد كان شُبَّان تلك الأوقات أكثرَ استعدادًا للعمل، وإن كانت العقائد السائدة في تلك الآونة خليطًا من الأباطيل والضَّلالات.

هذا في عموم الشباب، أمَّا في خصوص الشُّبَّان الملتزمين المستقيمين على جادَّة الشرع، فإنَّهم - وإن لم يكونوا متمرِّغين في أوحال اتِّباع الشهوات - ليسوا بمنْأى عن آفات الكسل والميل إلى حياة الخفض والدَّعة، والانكفاء على النفس، وقلَّة الانخراط الفعلي في معالجة هموم الأمة الكبرى، بل هم - في بعض الأحيان - يُعانون من انعدام الأهداف الكبرى التي تَدُور الحياة في فلَكِها.

ولذلك نجد في صفوف المستقيمين مَن يقضي العقْد والعقدَيْن من الزمان وهو يحاول حِفْظ القرآن، فلا يجاوز سُوَرًا معدودة، مع ضعف في الإتقان.

ونجد منهم من يعدُّ نفسه من طلبة العلم الشرعي، وهو - بعد أن تمر عليه سنوات طويلة - لا يزال يُراوح مكانه، متردِّدًا بين المناهج والطُّرق المختلفة للطلب.

ونجد من يدَّعِي السَّير على نَهْج السَّلف في العبادة وهو لا يصبر على أيسر العبادات البدنيَّة[2]، ولا يستطيع أن يواظب على بِضْع ركعات من السَّحَر.

ومنهم مَن ينتسب إلى الدعوة إلى الله، وأكثر أوقاته تضيع في "قيل وقال" على أبواب المساجد، وفي حضور الولائم والأعراس، وفي التنَقُّل بين مواقع الشَّبكة والفضائيات بغير فائدة معتبرة.

ليس كلُّ المستقيمين بهذه الصُّورة التي ذكَرْتُ، ولكن كثيرًا منهم يعيش سبَهْلَلاً، لا يعرف لحياته غاية عُظْمى، ولا يحمل بين ضلوعه هَمًّا من الهموم الكبرى لهذه الأمة.

•        •         •

فإذا ترَكْنا الجانب الفردي، وانتقلنا إلى جانب بَعْث الأُمَّة وإيقاظها من رَقْدتها الطويلة، وجدنا أن أخطر شيء تُعاني منه الأمَّة في زمننا هذا هو الهزيمة النَّفسية الخانقة، التي تجعل ما نحن فيه من التخلُّف الاقتصادي، والتَّبعية السِّياسية، والخضوع العسكري، أمْرًا لازمًا لا سبيل إلى دَفْعه، ولِسانُ حال كثير من الناس في زماننا هذا: "لا يمكننا التغيير ولا الإصلاح؛ فإنَّ العراقيل والعقبات التي تُجابهنا أكبر من أن نستطيع مقاوَمَتها".

ولو رجعنا إلى زمن الحروب الصَّليبية، لوجدنا النَّصارى الصَّليبيين قد احتلُّوا الساحل الشامي كلَّه لمدَّة تقرب من القرنين من الزمان، واحتلوا القدس ودَنَّسوا المسجد الأقصى لبضع وتسعين سنة، ثم اندحروا مهزومين، ورجعوا إلى بلادهم خائبين.

ولكن الفَرق الجوهري بيننا اليومَ وبين المسلمين في ذلك الزمن: أنَّهم آنذاك لم يعترفوا قطُّ بالهزيمة خلال تلك العقود الطويلة، ولا أقرُّوا للغاصبين بشرعيَّة وجودهم على أرض الإسلام، ولا ارتابوا يومًا في أنَّ القدس سترجع لا محالة إلى حكم المسلمين.

أمَّا نحن اليومَ، فقد داهَنَ بعضُ حُكَّامنا بعد سقوط القدس بنحو عقد من الزمان فقط، وتساقط الباقون إلى درك التطبيع والمصالحة بعد عقود قليلة، ولم يبق على عهد الثبات سوى بقية صالحة من أهل الخير من حمَلَة همِّ الإسلام، وما ذلك إلاَّ لِغَلَبة ثقافة الانهزام، ومناهج التخاذل.

وقد سمعتُ مِرارًا بعض السِّياسيين يقولون: إنَّ وجود دولة (إسرائيل) حقيقةٌ واقعة، فنحن نَدْعو إلى بعض المكتسبات الظرفية الصَّغيرة، كقيام دولة للفلسطينيِّين، ولو على قطعة يسيرة من الأرض؛ لأنَّ المطالبة بزوال دولة (إسرائيل) بالكُلِّية أمر مستحيل.

ولما كان القوم ليسوا من أهل الشرعيَّات، ولا هم من الذين يرفعون بكلام الله وكلام رسوله رأسًا، فلن نخاطبهم إلاَّ بكلام مَن يعظِّمون من ساسة الغرب، وقادة أوربا.

ويكفينا قول "نابليون بونابرت" إمبراطور فرنسا، الذي دانت له أوربا كلُّها في بضع سنين: "المُستحيل ملْجَأُ الجُبَناء"[3].

فأمَّا أهل الشجاعة والهمَّة العالية من خيار هذه الأمَّة، فليس عندهم في هذا الميدان مُحال، ما دامت القلوب تنبض بالحماس، وتفور بالعزم الأكيد.

•        •         •

وعودًا على بدء، نقول: نحتاج إلى إحياء هذه الهِمَّة العالية التي تُخالف المألوف، وتهدم قيود الضعف البشري، وإنَّ بأيدينا ما يُمكِّننا من ذلك، لو أننا نستطيع التنَبُّه إليه.

بأيدينا عقيدة سليمة من كلِّ عيب، مبرَّأة من كلِّ نقص، سهلة المأخذ، رائقة الرِّواء، قوية الأثر، حمَلَها منذ خمسة عشر قرنًا قومٌ من العرب، لم يكن في المعمورة أضعف منهم، ففتحوا بها ما بين المشرق والمغرب في سنوات معدودات.

وبأيدينا تشريع مُحْكَم، يحفظ حقوق النَّاس أجمعين، وينظِّم العلائق بين الحُكَّام والمحكومين، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الرِّجال والنساء، وبين الصغار والكبار.

وبأيدينا تاريخ مليء بالأمجاد، مُتْرَع بالانتصارات، تتخلَّلها آلاف العِبَر للمعتبرين، والعِظَات للمُتَّعظين، وفي ذاك الخِضَمِّ الحافل مئاتٌ من العلماء والعُبَّاد والمجاهدين والأمراء، ممن يصلح كلُّ واحد منهم أن يكون قدوة لشبابنا وكهولنا وشيوخنا.

فإحياء الهِمَّة العالية يكون بتجديد العقيدة في النُّفوس، وتطبيق الشريعة في الأفراد والمجتمعات، والتعريف بالتاريخ الإسلامي المجيد وأهله الأبطال.


[1] أي: السِّتينيَّات والسبعينيَّات، كما يُقال اليومَ.
[2] يحدِّثني والدي وقد تجاوَزَ الثَّمانين من العمر - أطال الله عُمره في الطَّاعة - أنه يكون في صلاة التَّراويح في رمضان، وهو قائم، وإلى جانبه بعض الشُّبان يُصَلُّون جالسين؛ لغير عُذْر ظاهر، فينتهرهم، وهذا من الظواهر التي تفَشَّت في مساجدنا في هذه السَّنوات الأخيرة، تفَشِّيًا مُقْلقًا.
[3] بالفرنسية: (l'impossible est le refuge des poltrons).

الثلاثاء، 28 سبتمبر 2010

لا تحقر الشهادة!


المقال منشور في موقع الألوكة: الرابط من موقع الألوكة 

بين يديَّ الآن كتابٌ أتسلَّى بقراءته، وأريح ذِهْني من الكلال الذي يُصيبه كثيرًا، بعد شيء من المجهود في مُطالعة كُتب العِلم الشرعي المختصَّة، أو الكتب الأدبيَّة الدَّسِمة، وهو كتاب "ما بعد الأيام"؛ لصاحبه الدكتور أحمد حسن الزيَّات، خَتَن الدكتور طه حُسين على ابنته.

وهذا الكتاب أرادَ له مؤلِّفُه أن يكونَ تَتِمَّة للسيرة الشخصيَّة التي عقَدَها طه حُسين لنفسه في كتابه "الأيام"، ويقول المؤلِّف: إن التلفاز المصري طلَبَ منه أن يعدَّ فصولاً في سيرة عميد الأدب العربي، يعتمد عليها في إخراج سلسلة تلفازيَّة جديدة عنه، فكان هذا الكتاب استجابة لرغبة مسؤولي التلفاز.

وأنا أتركُ جانبَ ما يُمكن أنَّ يُقال عن دِقَّة المؤلِّف في خَلْطه بين الأحداث الواقعيَّة، والمواقف المفترضة المتخيَّلة؛ وأترك التشكيكَ في موضوعيَّة المؤلِّف، حين يَعْرض لمواقف المترجم السياسيَّة، أو مساجلاته الفكريَّة والأدبيَّة، وأترك التعليقَ على أسلوب الكاتب، الذي سارَ فيه على طريقة كُتَّاب "السيناريو"، فتتوالَى فيه الأفعال المضارعة على صورة ترهقُ صاحب الذوق الأدبي السليم.

أترك هذا كلَّه؛ فليس مما يهمني في قبيلٍ ولا دَبير، والكتاب - قبل كلِّ شيء - ليس مما يُحتفى بنقْده، وتَتَبُّع مواطن الخَلل فيه؛ إذ هو أقلُّ من ذلك بكثير، ولا يخرج إجمالاً عن طرائق أهْل الصحافة المكتوبة في مؤلَّفاتهم.

لكنَّ بعضَ المواضع من الكتاب استثارتني، ورمتْ بِيَ بين أحضان الحاسب؛ لأُرَقِّمَ هذه السطور.

تأمَّلتُ في حالة هذا الرجل الذي يُقال عنه عميد الأدب العربي، وعدْتُ بذاكرتي إلى ما قرأتُه له من مؤلَّفات، وأنا بعدُ في سنِّ المراهقة، ككتابه عن الأدب الجاهلي، ومجموعة مقالاته التي كان يصدرُها يوم الأربعاء في بعض المجلات، ثم جمَعَها في سِفْرٍ واحدٍ من ثلاثة أجزاء، وأضفتُ إلى ذلك ما قرأتُه له بعد ذلك؛ من الروايات والكُتب.

وتدبَّرتُ ذلك كلَّه بميزان النقْد الذي اصطنعتُه لنفسي بعد أن عرَفْتُ من الأدباء القُدامى والمحدَثين - من أهْل العربيَّة وأربابِ الأدب الأوروبي الحديث - ما صِرْتُ به أعلم بمصادر الأدب وموارده منِّي أيَّام كنتُ مُراهقًا حَدَثَ السنِّ، تستهويني الدعاوى، وتغرُّني الألقابُ.

ولم ألبثْ بعد يسيرٍ من التدبُّر أن انبعثتْ من أعماقي صَرخةٌ فيها كثيرٌ من الألم والمرارة: ما الذي جعلَ هذا الرجل يتربَّع على عرْشِ عمادة الأدب العربي في العصر الحديث؛ حتى صارَ أولادُنا في المدارس يعرفون اسْمه قبل أن يعرفوا أسماء الرافعي، والزيَّات، ومحمود شاكر، والطنطاوي؟ أستغفر الله، بل هم يعرفون اسمه وكُتبه وشيئًا غيرَ قليل من سيرته، ثم هم لا يعرفون أسماءَ الآخرين أصْلاً، فضْلاً عن أن يكونَ لهم بعضُ اطلاعٍ على كتاباتهم!

أيكون ذلك لأجْل أسلوبه الفني، الذي يُسحر الألباب، ويأْسِر القلوب؟ كلاَّ والله! ليس لطه حسين من ذلك شيءٌ كبير ولا صغير، بل أسلوبه إنْ يرتفعْ قليلاً عن أساليب عامَّة طلبة الأدب وكُتَّاب الجرائد، فإنَّه لا يرتقي إلى مراتب الأدباء المبرزين من أهْل العصر، عربيِّهم وعجميِّهم، فليس هو من أهْل الصناعة والتكلُّف اللفظي، ولا هو من أهْل السلاسة وتوليد المعاني، وليس فيما يكتبُ تشبيهاتٌ رائقة، ولا تراكيب مُتناسِقة، ولا خيال أخَّاذ، ولا وصْف دقيقٌ، هذا مع تَكرارٍ كثير تَمَلُّ منه الأسماعُ، وتكلُّ من ثِقَله العيون؛ وحَوَمان طويل حول المعنى المقصود، فلا يصيبُه إلاَّ بعد أنْ تتفطَّرَ كبدُ القارئ، أو تكاد.

أم لعلَّ ذلك لدِقَّته في البحث، وإبداعه في النقْد الأدبي، وتجديده في أصول المناهج العلميَّة؟!

وهذا أيضًا كسابقه؛ فإنَّ اقتباسات طه حسين قد سارتْ بذكْرها الرُّكْبان، واشْتُهر عنه أنَّه ممن يجحدُ العارية، لكنَّ جريمته في الفِكْر لا في حُلي الناس، وهذا كتابه عن الشعر الجاهلي، الذي يَعده أنصارُه مَفْخَرته العُظْمى، بل مَفخرة الأدب العربي في هذا العصر، ما زادَ فيه على أنْ أحيا من أقوال بعض المستشرقين ما ماتَ، وحرَّك من راكده ما سَكَن، ثم نسَبَ لنفسه الفضلَ كلَّه، ويأبَى الله إلا أن يكونَ - في واقع الأمر - قد نسَبَ لنفسه الجُرمَ كلَّه.

فماذا بَقِي للأديب، إنْ لم يكنْ له من هَذَين نصيبٌ؟!
بَقِي الضجيجُ والعجيج، واصطناعُ هيئة المجدِّد المظلوم في عصره، عصر الظُّلمات والجهالات فيما يزعم أنصاره، وارتداءُ مسوح شهيد الفِكر الذي يقدِّم نفسه - صباح مساء - قُربانًا في مذبح الحريَّة والتنوير!

والرجل - بلا شكٍّ - ليس مدفوعًا على حِرفة الأدب، ولا هو بالذي يُنكرُ اطلاعُه ومعرفته، ولكنَّ غاية أمرِه أن يكونَ أديبًا كعامَّة أُدباء عصره، أمَّا أنْ يكون عميد الأدب العربي الذي يُقام له ويُقعَد، فلا والله، إلاَّ أن تكونَ صُمُّ الجنادل نجومًا، وحبَّات الرمْل أقمارًا، والعيون الناضبة بحارًا، وطه للأدب العربي عميدًا!

قرأتُ في كتاب الدكتور الزيَّات: كيف كان طه حسين يَسعى وهو بعدُ أستاذ في الجامعة - عن طريق رفع تقرير إلى اللجنة المكلَّفة بوضْع برامج التعليم - إلى إدخال تعليم لغتين في كليَّة الآداب؛ اللغة اليونانيَّة لأهميَّتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة العالميَّة، واللغة القِبطيَّة لأهميَّتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة المصريَّة!

وقرأتُ فيه أيضًا: كيف كان حريصًا - وهو عميد لكلية الآداب في جامعة القاهرة - على التحكُّم في المقرَّرات التعليميَّة للجامعة، وعلى إدخال تعليم اللغات الأجنبيَّة، والأساطير والخُرافات الوثنيَّة، التي يسمُّونها ثقافة يونانيَّة، وعلى ولوج النساء إلى الجامعة، ومخالطتهنَّ الرجالَ فيها، وعلى غير ذلك؛ مما كان له أثرُه العميق في المجتمع المصري فيما بعدُ.

وقرأتُ في الكتاب أيضًا: كيف كان الرجل حريصًا على منصب المراقب العام للثقافة العامَّة في وزارة المعارف؛ لأنَّه كما يقول: "عَملٌ مُهِم وخطير، وفيه فرصة لتحقيق أفكارٍ في التعليم سجَّلتُ بعضها في كتاب: "مستقبل الثقافة في مصر"، هذا إنْ صحَّ ما نقلَه الزيَّات، وما إخاله إلاَّ صحيحًا.

ثم قرأتُ: كيف سَعَى إلى إنشاء جامعات ومعاهد خارج مصر، تُبَشِّر بأفكاره التغريبيَّة في الثقافة والتعليم، وكيف ربَّى أجيالاً من الطَّلبَة - نسجوا على منواله من بعده - على مبادئه الهدَّامة، التي مُلخَّصها: أنَّ نجاتنا في الالتحاق بالغرب، وإغذاذ السير وراءَه، إلى أن نصِلَ إلى ما وصَلَ إليه من حضارة ماديَّة عصريَّة، أو تنقطع أديانُنا وثقافتُنا وتميُّزُنا الحضاري دون ذلك.

وتساءلتُ بعد أنْ قرأتُ هذا كلَّه، وزدتُ عليه بعضَ ما كنتُ أعرفُ عن الرجل من قبلُ: لو لم يكنْ طه حسين دكتورًا متخرِّجًا من جامعة كبرى مشهود لها عند أهْل الشأن الأكاديمي، أكان يقدرُ على إنجاز نصف ما أنجزه، أو ثُلُثه أو عُشْره، أو أقل من ذلك؟!

نعم، كان يُمْكنه أن يكتبَ في الجرائد، وينشرَ في المجلات، ويبثَّ في الناس مؤلَّفاتٍ يعرضُ فيها عصارة ذِهْنه، ولُباب فِكْره، وكان الناس سيصفقون له في عَصْره - إن أعجبَهم إبداعَه.

ولكنَّه على كلِّ حال لن يكونَ إلا أديبًا من الأدباء، وناقدًا من النُّقَّاد، يتكلمُ كثيرًا كما يتكلَّم أصحاب المعارضة في المجالس النيابيَّة، ثم لا يكون إلا ما يقرِّره مَن لهم مقاليد الحُكْم، وإليهم المرجِع في وضْع المناهج، وصَقْل عقول الناشئة.

لستُ أدَّعي أنَّ الشهادة الأكاديميَّة عصًا سِحْريَّة تجعلُ الأسوار التي توقفُ السَّيْرَ خرابًا، وتحوِّل التلالَ التي تقطع الطريقَ رمْلاً وتُرابًا.

ولستُ أزعمُ أنَّ طه حسين اتَّكأ في صعوده على الشهادة وحدَها، وأنه لم يكنْ له - من المواقف السياسيَّة، والعلائق الاجتماعيَّة، والإسناد الأجنبي - ما يجعلُه في أنظار المتصرِّفين رجلاً ملائمًا؛ لتطبيق ما يريدون تطبيقَه في الأُمَّة؛ من أفكار ومناهجَ.

لستُ أدَّعي ذلك، ولكنَّني أعلمُ أنَّ الشهادة الأكاديميَّة صارتْ - في عُرْف القوم - التزكيةَ الوحيدة التي يقرون بها؛ للتمييز بين المحقِّ والمبْطِل، وبين المبتدئ والمنتهي، وبين الشادي والمختص.

ولطالما تساءلتُ: ما الذي يجعلُ الدعوات الحَدَاثيَّة الهَدَّامَة - في اللغة والأدب والدِّين - تنتشرُ في الأُمة منذ أكثر من قرن من الزمان كما تنتشرُ النار في الهشيم، على الرغم من كثرة الأقْلام التي حذَّرتْ من خطرِها، وكثرة المنابر التي هزَّتها حناجرُ الخطباء؛ إذ يبيِّنون حقيقةَ أمرِها؟!

لِمَ تنتشر هذه الدعوات والقائمون عليها ليسوا من فطاحلِ الفكْر، ولا جَهابذة الرأْي، وليسوا إذا قيسوا بمن يردُّ على باطلهم من العلماء والمفكَّرين، إلاَّ كالبقل في أصول النخْل، وحبَّات الرمْل إن قِيستْ بنجوم السماء؟!

ستقول أيُّها القارئ: ما أيسرَ الجواب عن سؤالك هذا! إنما انتشرتْ بقوة الحديد والنار! بثَّتْها في الأُمة قوى الاستعمار الغربي، ثم سَارَ على نهْجه في نشْرِها وحمايتها والمنافحة عنها بقوة السلطان أقوامٌ تركَهم الغرب بيننا ساهرين على حِفْظ تُراثه، وحماية مبادئه.

وأنا لستُ أنكِرُ هذا الجانب، ولا أبخسُه حقَّه، وهو عندي أول الأسباب وأعظمُها، ولكن للحديث عليه مجال من القول غير هذا الذي نحن فيه.

ولكنني تأمَّلتُ أصحابَ هذه الدعوات، فمنذ بداية العصر الحديث إلى يومنا هذا الذي نتلظَّى بأُوار فِتَنه، فوجدتُ أكثرَهم من أهْل الشهادات الجامعيَّة العُليا، يدخل أحدُهم الجامعة خَلْوًا من كلِّ عِلمٍ يعصمُه، صِفْرًا من كلِّ فِكرٍ يحميه ويحصِّنه، فيجد عند أساتذة الكلية مناهج مُسطرة، وتوجُّهات فكريَّة مُقرَّرة، تكتنفُها دعاوى عريضة، وتبجُّحات تنهدُّ الجبال من هولها، فلا يلبثُ المسكين أن ينساقَ وراء القوم فيما هم فيه، وإذا هو بعد سنوات قليلة قد تخرَّج من الجامعة، وأمسكَ بين أناملِه تلك الورقة السحريَّة، التي تؤهِّله للتأليف والنشر والخطابة، وتمكِّنه من أنْ يعتليَ مِنَصَّة التدريس، يبثُّ في طَلَبته ما أفعمه به أساتذتُه، فتكتمل الحلقة، ويستدير الزمان بأهْله.

وتأمَّلتُ حال العلماء والأدباء الذين وقفوا في وجْه هذه الدعوات الحَدَاثيَّة والإلحاديَّة؛ قديمًا وحديثًا، فرأيتُهم شموسًا وأقمارًا، يضيء فكرُهم سُدْفة الجَهل البهيم، ورأيتُهم بحارًا وأنهارًا، يطمُّ علمُهم فيافي البلاد، فيستنبت كلَّ غضٍّ من الحِكْمة، وكلَّ مُونقٍ من معاني الإيمان، ولكنَّهم - إلاَّ ما لا حُكم له من النادر - ليسوا من حَمَلة الشهادات، ولا هم ممن اكْتحَلتْ أعينُهم برؤية فصول الدراسة الجامعيَّة أصْلاً.

لقد جاء الغرب - منذ أكثر من قرن - بجَحافله إلى بلاد الإسلام، وعَلِمَ أنَّ المعركة ليستْ مقصورةً على ميادين الوغَى، وساحات الهيجاء، بل هي في الأفكار والمفاهيم والتصوُّرات، وقد تيقَّنَ حقَّ اليقين أنَّه ما أخرجَه من هذه البلاد أيَّام الحروب الصليبيَّة، إلاَّ أنَّه حين دخَلَ مزهوًّا بانتصاراته العسكريَّة، لم يَأْبه لصراع الأفكار، ولم يحفلْ أنْ يغيرَ مبادئ الناس، ويدجن أذهانَهم، ويستهوي قلوبَهم، فما عَتَّمَ أنْ خرَجَ مهزومًا، لا يلوي على شيء، حين تحوَّلتْ أفكارُ المسلمين ومبادئهم إلى عساكر وسلاح تدكُّ معاقِلَ الاحتلال الصليبي.

تيقَّن الغربُ ذلك وعَلِمَه، ولكنَّه وجَدَ أمامَه جامعاتٍ إسلاميَّة عريقَة، مُوغِلة في القِدَم، متجَذِّرة في حضارة الأُمة ودينِها وثقافتِها، وجَدَ الأزهر والزيتونة، والقرويين وابن يوسف، فحاوَلَ أن يطوِّعَها لمآربه، ويسخِّرَ شيوخَها وعلماءَها لأغراضه وخُططه، ولكنَّه وجَدَ أمامَه سدًّا منيعًا من المقاومة، وعَلِمَ أنَّه لن ينالَ مِن تلك الجامعات وأهْلها، إلاَّ بعد جُهْد جهيدٍ، ووقتٍ مديدٍ، وليس يملِكُ هذا، ولا تسمح نفسُه بذاك.

وقد استقرَّ في أذهان الغربيين أنَّ الذي يخطُّ طريقًا، أو ينشِئ سكَّة حديدٍ، فيواجهه جبلٌ قائمٌ، ولا يقْدِر على دَكِّ الصخور، وحفْرِ الأَصْلاد، ما عليه إلا أنْ يُغيرَ مَسْلَك الطريق، فيلتف حولَ الجبل، ويُكمل بناءَه بين السهول المنبسطة، التي لا تكلِّفه حَفْرًا ولا هَدمًا، وهذا الذي كان في أغلب بلاد الإسلام.

ترَكَ الكفَّار المحتلون هذه الجامعات على حالها، ولم يتعرَّضوا لها بغارة في رابعة النهار، ولكنَّهم الْتفّوا، فبنوا جامعات عصريَّة فيها من العِلم والأدب الأسماءُ دون الحقائق، كما أنَّ في الدنيا خمْرًا وعَسَلاً، وفي الجنة خمْرًا وعسلاً، وليس الخمْر كالخمر، ولا العسلُ كالعسل.

وبدأتْ هذه الجامعات تُفَرِّخُ العلماء والأدباء، وفتحتْ أمامَهم أبوابَ الحُكم على مِصْراعيها، فتسلموا أزِمَّة الثقافة، وخُطُمَ الحضارة، وأنشأ هؤلاء أجيالاً من الناس، تسيرُ على هَدْيهم، وتتبَّع خُطاهم؛ حُذو القُذَّة بالقُذَّة، إلى أنْ صارَ زمانٌ انقطعَ فيه إنتاج العلماء والمفكِّرين بشكلٍ رسْمي ومنظَّم في أغلب بلاد الإسلام، إلاَّ أنْ يكونَ عن طريق الجامعات العصريَّة، وصار إسهامُ الجامعات العتيقة في الفِكْر والحضارة، على الأطْراف والحواشي، بعد أنْ كانتْ تحلُّ من جسد الأُمَّة محلَّ القلب النابض، والضمير الواعي، فأُغْلِق بعضُها بعد أن اضمحلَّ دورُه في الحياة، وبَقِي بعضُها الآخر صورة هامِدَة، وبدنًا لا رُوحَ فيه.

ولولا أنَّ الله - تعالى - تداركَ هذه الأُمة بصحوة إسلاميَّة جارفة أحْيَتِ المساجد والبيوت بالعِلْم والفِكْر، لانْقَرَضَ العلماء الربَّانيُّون من الأُمَّة، وما بَقِي فيها غيرُ نسْلِ الجامعة.

لقد صارَ العَوَام في كثيرٍ من بلادنا لا يقتنعون بكلام الشخص ما لم يكنْ حاملاً لشهادةٍ أكاديميَّة من إحدى هذه الجامعات العصريَّة.

وصارتْ هذه الشهادة تفتحُ لصاحبها أبوابًا دعويَّة هامَّة؛ في المحاضرات العامَّة، والدورات الثقافيَّة، والجرائد والمجلات، وإصدار الفتاوى، وغير ذلك.

وإنني - والله - لأعْرفُ من العلماء مَن شاب رأْسُه في تحقيق فنون العلم، لو أرسَلَ مقالاً أو فتوى لمجلة أو جريدة سائرة لم تَأْبه له، وأعرف - بالمقابل - من حَمَلة الشهادة الجامعيَّة مَن لا يفرِّق في العلم بين الكوع والبوع، ولكنَّه لو تكلَّم في مسألة ما، لقالَ أهلُ الجهل، وسَدَنة الإعلام الذي يُؤَطِّر العَوَام: "هذا رجلٌ من أهْل الاختصاص؛ فاسمعوا لقوله، ولا تلغوا فيه".

الجامعة إذًا أداة طَيِّعَة في أيدي المتحكِّمين في ثقافة الأُمة، وما علينا إلا أنْ نقفَ من شهاداتها أحدَ موقفين لا ثالثَ لهما:
إمَّا أن نرفضَها رفْضًا قاطعًا؛ لأنها تنشرُ الفكرَ المنحَلَّ، وتبثُّ الجهلَ في صورة العِلم، وتبني جحافلَ من أنصاف العلماء[1] تتصدَّرُ قبل أن تتأهَّلَ، فتُفْسد أكثر مما تُصْلح، وهذا صوابٌ في أغلبه، حقٌّ في مُجمله، وقد بُليتُ من ذلك - أيَّام إعداد شهاداتي الأكاديميَّة - ما أيقنتُ معه أنَّ الجامعة[2] فسادٌ كبيرٌ، وصلاح يسيرٌ، وغرورٌ خطير!

ولا نملكُ بعد هذا الرَّفْض إلا أنْ نضجَّ بألوان التهكُّم على الشهادة الجامعيَّة، ونُلْحِقَها بشهادة الزور في الحقيقة والمعنى، أو نرفعَ عقيرتنا بالشكوى من اختلال المفاهيم، وتطفيف موازين الحُكم على الرجال[3].

وإمَّا أنْ نزاحمَ القوم على كَراسي الجامعة، وقد تحصَّنا من قبل ذلك بدرعٍ سابغة؛ من الاعتقاد السليم، والفِكر الصافي، والعلمِ الشرعي النافع.

فإذا تمكَّنا من تلك الورقة العجيبة التي يسمُّونها شهادة أكاديميَّة، انطلقنا إلى ميادين النضال الفِكري، وقد فُتحتْ أبوابٌ كانتْ من قبل مُغْلقة، وانجلتْ آفاقٌ كانتْ من قبلُ بالغيوم مُلبَّدَة.

إنني لأَجُدني أميلُ كلَّ الميل إلى هذا الموقف الثاني، وأرى أنَّ مصلحة الأُمَّة في ذلك، وإنْ لم يخلُ الأمرُ من بعض المفاسد، ولكنَّها في جَنْب المصالح المرجوَّة قليلة ضئيلة.

ويتأكَّد مَيلي هذا كلَّما رأيتُ خطيبًا على منبر، أو داعية في وسيلة إعلاميَّة، وهو يخبط في العلم خَبْط عشواء، ولا يشفع له أمامَ الناس إلاَّ الدال[4] التي يقدِّمها أمامَ اسمِه، فتُعطيه من الحَصَانة ما لم يكنْ ليدَّعيه دونها، وأتحسَّر حينئذٍ؛ لأنَّ مَن هم أفضل منه؛ سَعة علمٍ، وحِدَّة ذكاءٍ، ونصاعة بيانٍ، لا يستطيعون ارتقاءَ ذلك المنبر؛ لأنهم محجوبون عنه بِعلمهم وفَهمهم؛ عذرًا! أقصد: بانقطاع الوشائج بينهم وبين الجامعة.

إن من رأْيي أنَّ طَلَبةَ العلم المتقدِّمين، والممارسين للشعر والأدب - من الذين لم يتلطَّخوا بأدرانِ التغريب الحضاري، والتميُّع الثقافي، ولم يتشبَّعوا بوساوس الحَدَاثة الفكريَّة المتجرِّدة من كلِّ ضابط، والمتحرِّرة من كلِّ قيدٍ - عليهم أنْ يقتحموا على أهْل الجامعة جامعاتهم، ويحصِّلوا ما أمْكَنَهم من هذه الشهادات الأكاديميَّة العجيبة؛ فإنهم بذلك يسدون الطريقَ أمامَ كثيرٍ من العابثين بتُراث الأُمة، والوالغين في وعْيها وإدراكها الثقافي.

إنَّ كثيرًا من أصحاب الاتجاهات الفكريَّة الهَدَامَّة قد تفطَّنوا إلى هذا المعنى، فكوَّنوا داخِلَ الجامعات العربيَّة مجموعاتِ ضغطٍ - لوبيات بلغة الفرنج - تمتلِك مناصبَ حسَّاسة، يتوارثونها، ويدفعون عن مُزاحمتهم فيها كلَّ مَن ليس على شَاكِلَتهم في المنهج الفكري العام.

فلِمَ نُقصِّر نحن في هذا الْمَيدان، ونكتفي بالشكوى والنقْد؟ أمَا آنَ لنا أن نسعَى إلى تخريج أجيال جديدة من حمَلَة الشهادات الجامعيَّة، هم في الوقت نفسِه علماء راسخون، وأدباء متمكِّنون، فنكون قد رَدَمْنا الهُوَّة بين العلم والشهادة، ومَحَونا أثرَ الفصام بين العلماء وحاملي الشهادات.

هذا رأْيي في هذه المسألة، ومُلخَّصه: ألاَّ تحقرَ الشهادة!


[1] وقد قِيل قديمًا: "إنَّما يُفْسد الدنيا ثلاثة؛ نصف فقيه، ونصف طبيب، ونصف نحْوي؛ فالأول: يُفسد الأدْيانَ، والثاني: يفسد الأبْدانَ، والثالث: يفسد اللِّسانَ".
[2] إلاَّ النادر الذي لا حُكْم له، وما في الجامعة من خير فأصلُه من خارجها؛ مِن حِلَق العلم، ومجالس الذِّكْر التي لم تنقطعْ قطُّ، وما يكون لها أن تنقطعَ - بإذن الله تعالى.
[3] كقول الأديب علي الطنطاوي - رحمه الله - في مقال له بعنوان: (زفرة أخرى) ضمن كتابه "من حديث النفس"، ص (125): "فلماذا درستَ الحقوق إذا كانت الوزارة لا تعرفُ أقدارَ الرجال إلاَّ بما يحملون من شهادات الاختصاص، وكان صاحبُ الليسانس في الحقوق لا يُعد أديبًا في نظرِها ولو كان شوقي زمانه، أو رافعي أوانه، وترى صاحبَ الليسانس في الأدبِ أديبًا ولو كان أعيا من باقلٍ، وأجهلَ مِن جاهل؟!".
[4] أو حتى الذال؛ فالأولى لدرجة الدكتوراه، والثانية لدرجة الأستاذية، وقد يجمع بعضُهم بين الحرفين، فذاك - عند القوم - العَلَم الأوْحَد الذي لا يناقَش ولا يُنْتَقَد!