الاثنين، 8 سبتمبر 2008

أَلـمَّ الشيبُ


أَلـمَّ الشيبُ في زمنِ الرُّقادِ = وأوهامُ الكَرى مِلْءُ الوِسادِ
فقمتُ .. ولستُ أدري أينَ أمضي = وأينَ مسيرُ قلبي دونَ زادِ
وكيفَ أغذّ سيري في اغترابي = وكيفَ أثيرُ نارًا في رَمادي
أسيرُ كمثلِ عصفورٍ جريحٍ = يُقَلِّبُهُ المُنى بين البلادِ
تميلُ به السماءُ على هَواها = وتَجرحه مُدى المُزنِ الغَوادي
إذا سلكَ السُّراةُ عَذلتُ ضعفي، = وإن يصِلوا أَلُمْ قُبحَ اتِّئادي
أحقًّا قد مضتْ سنواتُ لهوي = وأينعَ زرعُ عمري للحصادِ؟
أحقًّا صرتُ وحدي حين أمشي = يسحُّ الدمعُ من غيمِ انفرادي؟
أحقًّا أَطفأَتْ لُججُ الليالي = لهيبَ العزمِ في جَنبيْ فؤادي؟
أحقًّا صَوَّحَ الروضُ المريعُ الـ = ـذي في حسنه كان ارتيادي؟
أحقًّا أنهجَ البردُ الموَشّى = وصِرتُ أُرى بأسمالِ الحِدادِ؟
تُؤرِّقُني بَقايا ذكرياتي = وتَحرمني اللذيذَ من السُّهادِ
تُذكّرني بآمالٍ كبارٍ = سموتُ بها على رُتبِ العبادِ
وأحلامٍ من الشّمّ العوالي = كسَرتُ بصخرِها جورَ الأَعادي
وأوهامٍ فرشتُ بها بساطي = فأصبحَ لي بها شوكُ القتادِ !
وصارتْ شمسُ فكري في أفولٍ = وعادتْ لُجَّتي مثل الثِّمادِ
وأقفرَ من وجودي كلُّ دربٍ = وأُودِعَ سيفُ عزمي في الغِمادِ
أُغَرِّدُ في سماءِ الشِّعرِ لحنَ الـ = جُمودِ، وقد دنا صوتُ المُنادي !

07 رمضان 1429

الخميس، 7 فبراير 2008

رفع الرّين، بختم شرح مرقاة الأصلين


قلت عند ختم متن (مرقاة الأصلين) في علم أصول الفقه، على شيخنا الشيخ أحمد مزيد بن عبد الحق البوني، وذلك في شهر المحرم من سنة 1429

(رفع الرّين، بختم شرح مرقاة الأصلين)

1- علمُ الأصول لأهل الفقهِ إكليلُ    =        ومَن قَلاهُ بقيدِ الجهل مكبولُ
2- إني رأيتُ الفروعَ احتار طالبُها    =        إذا نبا عنه تقعيد وتأصيلُ
3- ودَرْكُ أحكام شرعٍ من أدلتها              =        له بعلم أصول الفقه تحصيلُ
4- لا يُدرك المرء فقها دون قاعدة    =        (إلا كما يمسك الماءَ الغرابيلُ)
5- وطرْفُ من يدّعي علم الفروع ولا         =        يدْري الأصولَ، بميل الجهل مكحولُ
6- فاعجبْ لمن يزدري علم الأصول! لقد      =        طغى على ذهنه غيٌّ وتضليلُ
7- هذا وقد بارك الرحمن في ورقا     =        تٍ لِلْجوينيِّ، جيلا إثره جيلُ
8- كمْ ماتحٍ مِن عطاياها ومُغترف،  =        والعلمُ منها مدى الأحقابِ مبذولُ
9- كم شارح قد جنى من روضها زهَرا        =        يختال، وهْو بماء الحسن مَطلول
10- كم ناظم للغوالي من جواهرها؛ =        والكلُّ - فيما عدا المرقاة – مفضول
11- أتى بها الجِهبذ الماميْ مُحَبَّرة              =        من فوقها مَلْبسُ الإتقانِ مسدولُ
12- مسبوكةُ اللفظ لا حشوٌ يكَدّرها،        =        كأنها – إن بدَتْ - غيداءُ عُطبولُ
13- فيها اعتدالٌ، فلا يزري بها قِصَرٌ =        يُقصي المعانيْ، ولا يُزري بها طولُ
14- وقد تصدّى لشرح النظم مجتهدٌ  =        من أهل شنقيط، فَـذ، قولُه القيلُ
15- أستاذنا أحمدُ البونيُّ قدوتنا،               =        سليلُ قومٍ همُ الصِّيدُ البَهاليلُ
16- جلَّى الغموضَ، وحلَّ المُشكلاتِ، وذلـَّـ         =        ـلَ الصعابَ، فلم تبق العراقيلُ
17- أرَّختُ ذا الشرحَ لفظا '' في المحرَّم فضـ  =        ـلٌ عمَّّ ''(1)، فالفكر بالإنعام مشمول
18- على النبي صلاة الله طيبةً                  =        ما دام يُرفع تكبيرٌ وتهليل
19- والآلِ والصحبِ، أهل الفضلِ، مَنْ بِهِمُو =         قد شِيدَ ربعٌ لدين الله مأهولُ


(1)   – مجموع أحرف هذه الجملة بحساب الجمل – على ترتيب المشارقة (ابجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ)- كالتالي:
في: 80 + 10 = 90.
المحرم: 1+ 30 + 40 + 8 + 200 + 40 = 319.
فضل: 80 + 800 + 30 = 910.
عم (باحتساب المدغم حرفا واحدا): 70 + 40 = 110.
المجموع: 90 + 319 + 910 + 110 = 1429.
وفي قولي (في المحرم فضل عم) إشارة إلى أن شرح هذه المنظومة كان في شهر المحرم من السنة المذكورة.

الاثنين، 12 نوفمبر 2007

يا أيها المغبونُ


الذكر عيشٌ للفؤاد، وتركه = في النائباتِ هو الحِمامُ الفاجعُ

إن مرَّ يوم ما ذكرت الله فيـ = ـه فذاك عند العدِّ يوم ضائعُ

ما لي أراك غفلتَ عن ربٍّ كريـ = ـمٍ، فضله بين الورى متتابع؟

يا أيها المغبونُ ! تنسى ذكر ربـ = ـبٍّ أنت في نعماه دهرك راتعُ

2 ذو القعدة 1428

الأربعاء، 17 أكتوبر 2007

يا أيها البطل المغوار



كفكِف دموعًا جرت في الخد كالوادي = وارفع جبينك، إذ تُنمى لبغدادِ


وانس المراثيَ، قد ولّت مجالسها = واقرأْ من الفخر ما يحلو لإنشاد


ما ذا زمان البكا ! فانفض دموعك وانْـ = شُر في الفضاء لحونَ القائد الحادي


أنت الإمامُ لنا، تروي محافلُنا = من طيب ذكرك ما يزهو به النادي


أنت الضياء الذي من نوره قبسٌ = للسائرين، وأنت الكوكبُ الهادي


يا قدوةً للذين استُضعفوا حقبًا = ملوا من القهر، واشتاقوا لأمجادِ


عدتْ عليهم ضباع الكون قاطبةً = وهم أسودُ الشرى تغلي بأحقاد


حتى رأوا فيك – والإظلام يكنفهم - = نارا على علم تبدو لمُرتاد


علّمتهم أن عيش الذل ما اكتملتْ = رياه قطّ، ولا دامت لمنقاد


علمتهم أن طعم العز في أسل = ظمأى، وجرد عتاق تملأ الوادي


النصر في مدفع يَرمي الحتوفَ، وليْـ = ـسَ اليومَ في صُحف تتلى وأوراد


الفتح في ساعدٍ يشتدّ، لا خطب = تروي حكايات آباءٍ وأجداد


المجد في سهر الليل البهيم على = ثغرٍ يعدّ التَّوى فيه لأوغاد


يُرمون فيه بضرب لا انكسار له = يُصمي الأعادي، ويروي غُلة الصادي


وتلتقي فيهم الأسياف مصلتة = فيها فراقٌ لأرواح وأجساد


علمتهم رفع هامٍ طالما انبطحتْ = للظالمين، لأحقابٍ وآباد


علمتهم شرب كأس العز مترعةً = وإن أديرت بتشريد وإبعادِ


علمتهم أن توحيد الإله يُنا = في ذلةً لطواغيت وأنداد


هذي المهانةُ معْ توحيد خالقنا = - عند التدبر – جمعٌ بين أضداد


أسمعتَهم بلسان الفعل تذكرةً = تغنيهم عن مواعيظ وإرشادِ


حتى مضوا ينشدون الفجر مؤتلقًا = تزول من نوره غفْلاتُ رُقّاد


وأقبلوا ينثرونَ البشرَ في أملٍ = واستبدلوا بالبكا، ترنيمة الشادي

يا أيها البطل المغوارُ: دمتَ لهم = ليثا هِزبرا، وطودًا بين أطوادِ

شوال 1428

السبت، 13 أكتوبر 2007

يا رب فرج كربتي ..


يا رب فرج كربتي = يا رب واغفر حوبتي

قد مسني ضر الهوى = فاكشف غياهب غفلتي

إن كان فعلي آثما = فالحزن عمّر مهجتي

فلعل حزني نافعي = والحزن أول توبتي

السبت، 11 أغسطس 2007

ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ..

الحمد لله
مما اشتهر على الألسنة قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد في معلقته:
ولولا ثلاث هن من لذة الفتى *** وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة *** كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنبا *** كسيد الغضا ذي الطخية المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب *** ببهكنةٍ تحت الطراف المعمد

(ينظر شرح الأبيات في شروح المعلقات).

وأعجب الشعراء بهذا المعنى، فعارضوه بما تيسر.
وكان منهم ابن أبي الحديد المعتزلي الرافضي فقال:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي *** ليست كما قال فتى العبدِ
أن أنصر التوحيد والعدل في *** كل مكان باذلا جهدي
وأن أناجي الله مستمتعا *** بخلوة أحلى من الشهد
وأن أتيه الدهر كبرا على *** كل لئيم أصعر الخد
لذاك لا أهوى فتاة ولا *** خمرا ولا ذا ميعة نهد

وتذكرت حين قرأت كلام هذا الرافضي ضمن ترجمته في مقدمة تحقيق كتاب (الفلك الدائر على المثل السائر)، ما أثر عن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، أنه لما حضره الموت، قال: انظروا أصبحنا؟ فأتى فقيل: لم تصبح، فقال: انظروا أصبحنا؟ فأتى فقيل له: لم تصبح حتى أتى في بعض ذلك فقيل: قد أصبحت، قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار. مرحباً بالموت مرحباً، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة. اللهم إني قد كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب، عن حلق الذكر).

ثم تجشمتُ محنة القول، فقلتُ:
لولا ثلاث لم أبال بميتتي *** ليستْ كما زعم الفتى البكري(1)
بسطيْ الكتابَ أمام عينِي مونقا *** تُدني صحائفُه جنا الفكر
ومجالسٌ للعلم فيها يُنتقى *** خير الكلام وأفضل الذكر
ودعاء ربي - حين يرقد غافل - *** مستمتعا بنسائم الفجر.

(1) : طرفة بن العبد من بكر بن وائل.

الأحد، 5 أغسطس 2007

في معنى قوله تعالى: (ويستحيون نساءكم)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
اشتهر عند كثير من أهل الوعظ والخطابة، إيرادهم لفظة (يستحيون) بمعنى: (ينتهكون الأعراض)؛ فيقول قائلهم مثلا عن اليهود أو الصليبيين وما يفعلون بالمسلمين: (يقتلون أولادهم ويستحيون نساءهم)، ونحو ذلك.
وهذا الصنيع يوهم أن هذا معنى اللفظة في القرآن الكريم، والحال أن معناها عند جمهور المفسرين: (يستبقون نساءكم فلا يقتلونهن).
فالاستحياء استفعال يدل على طلب الحياة، كالاستبقاء (طلب البقاء) والاستسقاء (طلب السقي). وفي لسان العرب: (واستحياه أبقاه حيا وقال اللحياني استحياه استبقاه ولم يقتله، وبه فسر قوله تعالى ويستحيون نساءكم أي يستبقونهن).
وفي معنى اللفظة في القرآن قول آخر، وهو: (يفتشون حياء المرأة - أي فرجها - هل بها حمل أم لا). وفيه نظر.
نعم، قد يقال إن الاستحياء بمعنى الاستبقاء في الحياة قد يستلزم الاعتداء على العرض. وقد أبدع ابن عاشور – رحمه الله - بقوله:
(ووجه ذكره – يقصد لفظة الاستحياء - هنا في معرض التذكير بما نالهم من المصائب: أن هذا الاستحياء للإناث كان المقصد منه خبيثاً، وهو أن يعتدوا على أعراضهن، ولا يَجدن بداً من الإجابة بحكم الأسر والاسترقاق، فيكون قوله : (ويستحيون نساءكم) كناية عن استحياء خاص، ولذلك أدخل في الإشارة في قوله: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) ولو كان المراد من الاستحياء ظاهره لما كان وجه لعطفه على تلك المصيبة).
قلت: فيصح أن يقال إن لفظ الاستحياء في الآية كناية عن انتهاك العرض بعد الاسترقاق، مع كون المعنى الحقيقي للكلمة (وهو الإبقاء في الحياة) غير منفي.
ولا يصح إيقاع اللفظ بهذا المعنى في غير تلك الحادثة المزبورة في القرآن، إذ ليس في ما يتحدث عنه أولئك الخطباء ما يصح معه إثبات المعنى الأصلي للكلمة.
زد على هذا، ما يترتب على فعلهم من لبس في معنى الآية، حتى صار كثير من العوام يفهمونها على غير وجهها.
والله أعلم.