الأحد، 28 سبتمبر 2008

لِسمير العلم شعرٌ مونقُ


كتب في منتدى الفصيح أحد الشعراء يلقب نفسه (سمير العلم) قصيدة طويلة أثنى فيها على منتدى الفصيح وأعضائه وذكرني بالاسم، فكتبتُ هذه الأبيات على وزن قصيدته وقافيتها:

لِسمير العلم شعرٌ مونقُ = شأوُه فيه مدًى لا يُلحقُ
قد سما في روضة الشعر كما = قد علا في الدوح فرعٌ مورقُ
وجَلا عنَّا ضنى البؤس كما = يدفع الإظلامَ فجرٌ مشرقُ
إن تجَشّمتُ قريضا مثلهُ = ضمَّني في القولِ لحدٌ ضيّقُ
أو طلبتُ الشعرَ معنًى ساحرًا = كدتُ في بحر المعاني أغرقُ
أو سمتْ نفسي للفظٍ رائقٍ = كدتُ بالمرذولِ منه أشرقُ
غير أني مِن وشالي ماتحٌ = وفؤادي من بلائي يخفِقُ
دمتَ يا خدن المعالي شاعرًا = نشره في كل ربعٍ يعبقُ
وعلى رأسك تاجُ الشعرٍ تَزْ = هو به، يزدانُ منه المفرقُ

الأحد، 21 سبتمبر 2008

أكرِمْ بجيش رسول الله قائده (في ذكرى غزوة بدر)


أكرِمْ بجيش رسول الله قائده
(في ذكرى غزوة بدر)
سواكب الدمعِ نهواها وتهوانا = ننسى البكاءَ ولكنْ ليسَ ينسانا
يدُ الهمومِ أناختْ فوق كاهلِنا = فما استقلَّت بها أهزاجُ شكوانا
ترمي الحياةُ بنا في حضن لُجتها = أنيسُنا الحزنُ مذ كنّا، ومذ كانا
والموتُ ينهشنا في كل ثانيةٍ = ما هان في قبضة الإحصاءِ موتانا
لا نملكُ الوقتَ كيْ نَرويْ مآسيَنا = صرنا لأحزان كل الناسِ أزمانا
في كلّ يوم لنا ذكرى لنائبةٍ = ملّ الزمانُ، وما ملّتْ رزايانا
في كل ربعٍ لنا قتلى مجدّلةٌ = جوفُ الثرى لدِمانا صار صديانا
نغُضّ أعيننا كي لا نرى ألـمًا = يختالُ في دمِهمْ .. ينسابُ حيرانا
يسري ليسألنا بالهمسِ عن زمنٍ = كنّا بروضته للمجدِ أقرانا
كنا ملوكا بكل الأرض سلطتُنا = في الفخر تلبسنا التيجانُ تيجانا
كنا أسودا على الأكوانِ سطوتنا = كأنما الخوفُ في الهيجاء يخشانا
كنا بحارا ملأنا من جواهرنا = مسامع الدهر إيمانا وعِرفانا
كنا جبالا على هاماتها لهَبٌ = يهدي السُّراةَ زرافاتٍ ووحدانا
كنا سيوفا تزف الحتفَ، صارَ لها = عند الوقيعةِ هامُ الكفرِ أجفانا
كنا قصيدا بثغر الدهرِ ينشدهُ = وكان شهدُ العلا وزنا وألحانا
كنا وكُنا .. ولو شئتُ اختصارَ كَلا = مي قلتُ: كنا بحيثُ العز قد كانا
أُقلّب الطرفَ في التاريخِ أسألُهُ = هلْ يا تُرى عرف التاريخُ شروانا؟
وليتَ شعري أفي الأعصار ملحمةٌ = يخُطّها قلم التاريخِ جذلانا
كيوم بدرٍ .. وقد شادتْ بعرْصتهِ = ضياغمُ الحق للتوحيد بنيانا
يومٌ تُوشّي جبينَ الدهرِ غُرَّتُهُ = ويرتدي من حُلاهُ الكونُ عقيانا
وأينعَ الحقُّ في أرجاءِ دوحتهِ = فرعًا سَقتْه عَزالي الصبر، فينانا
قام الرسولُ ونور الوحيِ يُرشده = بالله معتصما، بالحق مزدانا
وقام فتيةُ صدقٍ قال قائِلُهم = (إن شئتَ خُضنا وَراكَ اليَمَّ ملآنا
الصبرُ يعرفنا، والجبنُ يجهلنا = والصِّيدُ تلقى المنايا حين تلقانا
إنْ نُقتلِ اليومَ نَقتلْ منهمُ زمرًا = لا يستوي اليوم قتلاهمْ وقتلانا
أرواحُنا قد دفعناها مهورَ جِنا = ـنِ الخُلدِ نبغي بها روحا وريحانا)
قاموا إلى الحربِ .. عينُ اللهِ تكلأهمْ = وقد تردّوا من الإيمانِ أكنانا
أكرِمْ بجيش رسول الله قائده = يدعو .. فتنقلِبُ الأفلاكُ آذانا
للهِ صوتٌ بأنحاء العَريشِ سَمَا = يقدّم الذلَّ للرحمن قُربانا
وصاحبُ الصِّدقِ من قرْبٍ يناشِدهُ = (بعضَ الدعاءِ .. فنصرُ الله قد حانا)
كانتْ سويعةَ صبرٍ، بعدها انهزمتْ = جحافلُ الكفرِ مُشاءً وركبانا
وسارَ أسْدُ الشرى في إثرهمْ، وبأيـ = ـديهمْ شرابُ الرّدى، قتلا وإثخانا
وحلَّ كلُّ خبيثٍ عينَ مصرَعهِ = ما حادَ عنهُ قليلا، لا ولا بانا
يومٌ تقاسَمَ أهلُ الشركِ حنظلَهُ = قد صار بين الهُدى والغيِّ فُرقانا
يومٌ مضى وانقضى، يا ليتَ أنَّ لنا = في دهرِنا مثلهُ يختال نشوانا !
يا أمتي: هل أرى يوما صوارِمَكمْ = تهمي المنايا بها سَحّا وتَهتانا؟
ويا تُرى هل أرى يوما عزائِمكمْ = قد طَمَّت الكفرَ بالتوحيد طوفانا؟
وهلْ أراكمْ تَؤُمّونَ المعاليَ فُرْ = ـسانًا مدى يومِكمْ .. في الليلِ رُهبانا؟
إني لأرجومن الرحمنِ عزتكُمْ = ولنْ يُخَيِّبَ مضطرّا ولهفانا
قد أوشك الفجرُ أن تبدوْ أشعّتُهُ = تَعُمُّ بالبشرِ أقواما وأوطانا

20 رمضان 1429.

الخميس، 18 سبتمبر 2008

مناجاة الشيب

منذ سنوات قليلة، قدمتْ علي أولى طلائعك، وأناخت ركائبها بفوديّ، فتقبلتها بابتسامة باهتة، طمست بها وخزة عميقة في فؤادي.
وتعللت – فيما تعللت – بخاطرة خافتة الأنفاس، ملأتُ بها سراديب فكري، وجعلتها عنوة نورا يبصّ في سدفة الكآبة التي أحاطت بي من كل جانب، حتى غمرت كياني بما أقعدني عن مغازلة جمال الحياة.
تعللتُ بحسابات دفعتُ بها هجمتك التي احتوشتني من أرجائي كلها، حتى كادت تسقطني في مهامه الضياع. وأقنعتُ نفسي حينذاك أن تلك الشعرة البيضاء اللامعة في حلكة شعري البهيم، ليست تقدر على إخمادتلك الطاقة الرهيبة التي تفور في صدري، ويمور بها قلبي وضميري.
تعللتُ بأن الشباب الذي يجري ماؤه الغض في عروقي، أعتى من أن تكرثه شعرة صغيرة استحالت من لون إلى آخر.
تعللتُ بالذين سبقوني إلى مجاهل الحياة، فكانوا في مثل سني أو أكثر، وقد وضع الشيب ميسمه البغيض على مفارقهم، ينبضون بالحركة الدافقة، وتهدر دماؤهم بروح الكفاح، كالسيل المتحدر من قنن الجبال، لا يقوم لغضبته الجارفة شيء من غثاء الفكر الرخيص، أو الفعل الهجين.
تعللتُ بما مضى علي في حياتي من عقبات كالأطواد الشامخة، تمثلتْ بهيبتها أمام سيري الظليع، فلم أزل أعالجها بعزم يفت الصخر، حتى انجابت عن أفق من الأمل فسيح.
تعللتُ بهذا وبغيره، مما لستُ أذكره الآن، بعد أن غيبت سحنته عني أتربة النسيان.
تعللتُ .. وقلتُ لك:
لن تزيد على أن تكون ضيفا ثقيلا، أتى على غير ميعاد، وحل من غير استئذان.
ولن تعدوَ قدرك !
فما اكثر خِلانك من الضيوف الثقلاء !
ولم أزل مذ ذاك اليوم الذي ألقيتَ فيه عصا تَرحالك بفناء رأسي، أغالب فيك شعورين قد ملكا علي غياهب فؤادي، فأنا منهما بين نارين تتأججان، لا أكاد أطفئ حر إحداهما، حتى تتلقاني الثانية بصيخودها اللاهب.

أما الأول: فإحساس النائم المستغرق في نومه، لا يلقي لما حوله بالا، كأن الدنيا اختُزلتْ في شخصه، أو كأن الكونَ جُمع تفرقُه في ذاته؛ فإذا بصوت أجش مستنكر قد اخترق الفضاء، فارتجت منه جنبات الأرض؛ وإذا بذلك النائم يخر من برج أحلامه الساحرة، إلى أرض مجدبة سوداء، حصباؤها قذاراتُ الواقع الأليم.
كذلك شعرتُ حين حللتَ ضيفا لا يُرجى رحيله !
وكانت تلك اللحظة القاتمة، برزخا بين بُرهتين من عمري متباينتين.
كنتُ في الأولى أحمل بين جنبيّ ماردا جبارا، مستعصيا على الخوف، مستعليا على الكسل، دائم الانطلاق؛ لا يكاد ينهي قسمة غنائم فتح مجيد من فتوحه المتكاثرة، حتى يفزع إلى ميدان آخر من ميادين النضال والجلاد.
كنت في الأولى صقرا حائما، بل طيفا حالما، لا يمس الأرض إلا بمقدار ما يُعد للتدويم تارة أخرى في سباسب الفضاء الرحيب.
كنت في الأولى قويا كالأمل ..
حالما كالطفل ..
حازما كالصيقل في يد الكمي المغوار ..
راسخا كالطود السامق ..
جريئا كالإقدام نفسه، لو تجسد شخصا من البشر.
كنتُ في الأولى أرى القناعة بما دون الكمال موتا زؤاما، بل دونها الموت.
ثم كان ما كان ..
فصرتُ في الثانية بعكس ذلك كله: حائرا في دروب الحياة، مضطرب العزم، متردد الفكر بين قبو وضياء، وبين حضيض وفضاء.
صرتُ أتحسس موقع كل خطوة قبل أن أخطوَها، وأحرر كل كلمة قبل أن ألفظها، وأغالب كل فكرة قبل أن أسلم قيادي لها. ثم أعود على نفسي بعد ذلك كله بالعذل المر، والعتاب المؤلم.
صرتُ كالشاة الفاترة التي يسحبها جزار غليظ القلب إلى موتها المحتوم. تتمنع تارة، وتصاول جلادها تارة أخرى، ثم لا تلبث بعد حظ من النصَب غير قليل، أن تستسلم لما يرادُ بها، فتسلم الروح بين جثة هامدة، ونظرة شاردة.
صرتُ كالهائم في متاهات الحياة، تتراءى له سمادير الغفلة، فتنبعث به صُبابة نفس أبية لتدفعها، فهو معها أبد الدهر في جلاد لا ينقضي أمده.
كذاك كنتُ ..
وكذا صرتُ.
وكانت لحظة البقظة تلك فاصلا بين ما كنتُ عليه، وما صرتُ إليه.

وأما الإحساس الثاني، فلوعةُ المقصّر الذي يدرك عاقبة تقصيره، وحرقة السكيت حين يعاتب على تأخيره، وانكسار العاشق حين يلام على صده وهجره.
شعور الهزيمة هو !
أو قل – إن شئت أن تختصر الكلام فتهون وقع سياطه اللاهبة – هو شعور النكسة العاصفة في حلبة صراع لا يرحم.

سبق المشمرون !
ما أعذب هذه الكلمة حين تشملك وتحتويك في حضنها الدافئ، وما أقساها حين تلفظك كالنواة خارج حماها، وتصدح في أذنيك بصوت منكر:
وأين أنت من التشمير؟ !
وأين كنت حين شمروا ؟ !
ألهوًا وطولَ أمل؟
أتفريطًا وأوهامَ غرور؟
أرُقادا وسعةَ رجاء؟
ما أتفهَ عقلك حين تقصد السوق لتقتني ما تحب، وليس في جيبك من ثمنه قليل ولا كثير !
يا هذا .. لقد سبقوا !
املأ بها سمعك، ثم سائلْ نفسك: إلى متى النحيب؟ وحتى متى العويل؟
قد آن لك أن تستبدل بهما حزما عُمريًّا، تلم به شعث نفسك المتضعضعة، وعزما شامخا تشرف به على دروب الحياة، فيما يستقبلك من الأيام.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2008

يسري كدفءِ الروح ..

من قال شعرا حطَّ عن كاهلهْ = حِملا مسلطا على حاملهْ
تضيقُ نفس المرءِ في سجنها = حتى يثورَ القولُ من قائله
فتُجتلى الأمشاجُ من حرفه = مفضولُه على خُطى فاضلِه
كنفثةِ المصدور تجلو الأسى = أو فرحةِ الإحسانِ من باذلِه
أو شرب ماءٍ في الظما باردٍ = يسري كدفءِ الروح في ناهلِه
أو كالحيا يعمُّ وردَ الربا = فيبعثُ الحياةَ في ذابله
الشعر بحر ما له منتهى = إن وقفَ المهمومُ في ساحله
يمضي به إلى جميلِ المُنى = في عاجلِ المسيرِ أو آجله

الأحد، 14 سبتمبر 2008

لا تحزني يا بُنيّتي


لا تحزني يا بُنيّتي
(إلى طفلة ذات إعاقة بدنية)

تمشي وفي مشيها فُتورُ = وطرفُها هائمٌ حسيرُ
في ثغرها بسمة اكتئابٍ = تروي الذي يستُر الضميرُ
إن ذكرتْ همها تولَّتْ = والدمعُ في عينها غزيرُ
أو نَسِيتْ .. ذُكِّرتْ بألحا = ظٍ كالسهامِ لها تُشيرُ
تبكي بصمتٍ، وفي حشاها = من نار غربتها سعيرُ
ترنو بحُزنٍ إلى لِداتٍ = لها، لهم بالمُنى قُصورُ
يبنونَها كالصروحِ، والآ = مالُ بسيرهمُ تسيرُ
وهْي لها حاضرٌ كَسِـيفُ الـ = ضياءِ .. أو أملٌ كسيرُ
+++++
لا تحزني يا بنيتي فالـ = حياةُ أحزانُها كثيرُ
تدور ريحُ الهمومِ فينا = كالكأس يترعها المُديرُ
إن اللبيبَ يخوضُ غمرَ الـ = أسى، وفي قلبه حبورُ
فليس يرجعُ فائتٌ قدْ = ولّى، إذا خفتَ السرور
انطلقي في رحاب هذي الـ = دنيا فإن المَدى قصيرُ
وقاومي .. فالحياةُ تحلو = إن حَفَّها النَّصبُ الكبيرُ
وناضلي فالنضالُ نصرٌ = وجاهدي فالجهادُ نورُ
وأبشري قد دنتْ قطوفُ الـ = خيراتِ يحملها البشيرُ

البشير عصام
13 رمضان 1429

لأوهامنا سورةٌ



مراكِبُنا ما رَستْ = على مرفإِ الخُلدِ
ورحلتنا لم تَصلْ = إلى مُرتجى القَصدِ
فكيفَ انتهى عزمُنا = إلى عيشةٍ رغدِ؟
ولهوٍ يميلُ بِـنا = عن الحزم والِجِدِّ
وخَوضٍ بمعصيةٍ = وجورٍ عن القَصدٍ
لأوهامنا سورةٌ = وغفلتنا تُردي
فيا ربَّنا اغفِر لنا الْـ = خَفِيَّ وما نُبدي

الخميس، 11 سبتمبر 2008

فلتهن بالمجد ..



أُغالبُ الشوقَ والحشا ضرمُ = وأكتمُ الحزنَ والدموعُ دمُ
أصارعُ الخوفَ حين يأسرُني = وأدفعُ الشكَّ حين يزدحمُ
وأمتطي غربتي على وَجلٍ = وأكسرُ الطرفَ ثمَّ أقتحمُ
منذُ الفراقِ الأليم ما اكتحَلتْ = عيني بغمضٍ، ولا انجلى السَّقَمُ
ما أَلِـمَ القلبُ من فراقِ أخٍ = كمثلِ ما كان عندَ بينِكمُ
ما سجنوا قلبك الشفيقَ ولا = عِلما رصينا يبثُّه القلمُ
فالقيدُ في معصمِ الأبيّ حُلى = والعبدُ .. رحبُ الفضا له لُجُمُ
والعزُّ نورٌ – وإن بأقبيةٍ = والذّل ليلٌ نسيجُه الظُّلمُ
إن يحبسوا في صِفادهم بدنًا = فالروحُ تسمو برَكبِها الهِممُ
أو يكتُموا ذكركمْ بمعتقَلٍ = فعلمُك الثرُّ كيفَ يُكتتمُ؟
فاسعدْ بثوب السموِّ تلبسُهُ = ولتهنَ بالمجدِ أيها العَلمُ
قد أوشكَ الليلُ أن يغادرَكم = والصدعُ لا بدَّ سوفَ يلتئِمُ