الثلاثاء، 28 سبتمبر 2010

لا تحقر الشهادة!


المقال منشور في موقع الألوكة: الرابط من موقع الألوكة 

بين يديَّ الآن كتابٌ أتسلَّى بقراءته، وأريح ذِهْني من الكلال الذي يُصيبه كثيرًا، بعد شيء من المجهود في مُطالعة كُتب العِلم الشرعي المختصَّة، أو الكتب الأدبيَّة الدَّسِمة، وهو كتاب "ما بعد الأيام"؛ لصاحبه الدكتور أحمد حسن الزيَّات، خَتَن الدكتور طه حُسين على ابنته.

وهذا الكتاب أرادَ له مؤلِّفُه أن يكونَ تَتِمَّة للسيرة الشخصيَّة التي عقَدَها طه حُسين لنفسه في كتابه "الأيام"، ويقول المؤلِّف: إن التلفاز المصري طلَبَ منه أن يعدَّ فصولاً في سيرة عميد الأدب العربي، يعتمد عليها في إخراج سلسلة تلفازيَّة جديدة عنه، فكان هذا الكتاب استجابة لرغبة مسؤولي التلفاز.

وأنا أتركُ جانبَ ما يُمكن أنَّ يُقال عن دِقَّة المؤلِّف في خَلْطه بين الأحداث الواقعيَّة، والمواقف المفترضة المتخيَّلة؛ وأترك التشكيكَ في موضوعيَّة المؤلِّف، حين يَعْرض لمواقف المترجم السياسيَّة، أو مساجلاته الفكريَّة والأدبيَّة، وأترك التعليقَ على أسلوب الكاتب، الذي سارَ فيه على طريقة كُتَّاب "السيناريو"، فتتوالَى فيه الأفعال المضارعة على صورة ترهقُ صاحب الذوق الأدبي السليم.

أترك هذا كلَّه؛ فليس مما يهمني في قبيلٍ ولا دَبير، والكتاب - قبل كلِّ شيء - ليس مما يُحتفى بنقْده، وتَتَبُّع مواطن الخَلل فيه؛ إذ هو أقلُّ من ذلك بكثير، ولا يخرج إجمالاً عن طرائق أهْل الصحافة المكتوبة في مؤلَّفاتهم.

لكنَّ بعضَ المواضع من الكتاب استثارتني، ورمتْ بِيَ بين أحضان الحاسب؛ لأُرَقِّمَ هذه السطور.

تأمَّلتُ في حالة هذا الرجل الذي يُقال عنه عميد الأدب العربي، وعدْتُ بذاكرتي إلى ما قرأتُه له من مؤلَّفات، وأنا بعدُ في سنِّ المراهقة، ككتابه عن الأدب الجاهلي، ومجموعة مقالاته التي كان يصدرُها يوم الأربعاء في بعض المجلات، ثم جمَعَها في سِفْرٍ واحدٍ من ثلاثة أجزاء، وأضفتُ إلى ذلك ما قرأتُه له بعد ذلك؛ من الروايات والكُتب.

وتدبَّرتُ ذلك كلَّه بميزان النقْد الذي اصطنعتُه لنفسي بعد أن عرَفْتُ من الأدباء القُدامى والمحدَثين - من أهْل العربيَّة وأربابِ الأدب الأوروبي الحديث - ما صِرْتُ به أعلم بمصادر الأدب وموارده منِّي أيَّام كنتُ مُراهقًا حَدَثَ السنِّ، تستهويني الدعاوى، وتغرُّني الألقابُ.

ولم ألبثْ بعد يسيرٍ من التدبُّر أن انبعثتْ من أعماقي صَرخةٌ فيها كثيرٌ من الألم والمرارة: ما الذي جعلَ هذا الرجل يتربَّع على عرْشِ عمادة الأدب العربي في العصر الحديث؛ حتى صارَ أولادُنا في المدارس يعرفون اسْمه قبل أن يعرفوا أسماء الرافعي، والزيَّات، ومحمود شاكر، والطنطاوي؟ أستغفر الله، بل هم يعرفون اسمه وكُتبه وشيئًا غيرَ قليل من سيرته، ثم هم لا يعرفون أسماءَ الآخرين أصْلاً، فضْلاً عن أن يكونَ لهم بعضُ اطلاعٍ على كتاباتهم!

أيكون ذلك لأجْل أسلوبه الفني، الذي يُسحر الألباب، ويأْسِر القلوب؟ كلاَّ والله! ليس لطه حسين من ذلك شيءٌ كبير ولا صغير، بل أسلوبه إنْ يرتفعْ قليلاً عن أساليب عامَّة طلبة الأدب وكُتَّاب الجرائد، فإنَّه لا يرتقي إلى مراتب الأدباء المبرزين من أهْل العصر، عربيِّهم وعجميِّهم، فليس هو من أهْل الصناعة والتكلُّف اللفظي، ولا هو من أهْل السلاسة وتوليد المعاني، وليس فيما يكتبُ تشبيهاتٌ رائقة، ولا تراكيب مُتناسِقة، ولا خيال أخَّاذ، ولا وصْف دقيقٌ، هذا مع تَكرارٍ كثير تَمَلُّ منه الأسماعُ، وتكلُّ من ثِقَله العيون؛ وحَوَمان طويل حول المعنى المقصود، فلا يصيبُه إلاَّ بعد أنْ تتفطَّرَ كبدُ القارئ، أو تكاد.

أم لعلَّ ذلك لدِقَّته في البحث، وإبداعه في النقْد الأدبي، وتجديده في أصول المناهج العلميَّة؟!

وهذا أيضًا كسابقه؛ فإنَّ اقتباسات طه حسين قد سارتْ بذكْرها الرُّكْبان، واشْتُهر عنه أنَّه ممن يجحدُ العارية، لكنَّ جريمته في الفِكْر لا في حُلي الناس، وهذا كتابه عن الشعر الجاهلي، الذي يَعده أنصارُه مَفْخَرته العُظْمى، بل مَفخرة الأدب العربي في هذا العصر، ما زادَ فيه على أنْ أحيا من أقوال بعض المستشرقين ما ماتَ، وحرَّك من راكده ما سَكَن، ثم نسَبَ لنفسه الفضلَ كلَّه، ويأبَى الله إلا أن يكونَ - في واقع الأمر - قد نسَبَ لنفسه الجُرمَ كلَّه.

فماذا بَقِي للأديب، إنْ لم يكنْ له من هَذَين نصيبٌ؟!
بَقِي الضجيجُ والعجيج، واصطناعُ هيئة المجدِّد المظلوم في عصره، عصر الظُّلمات والجهالات فيما يزعم أنصاره، وارتداءُ مسوح شهيد الفِكر الذي يقدِّم نفسه - صباح مساء - قُربانًا في مذبح الحريَّة والتنوير!

والرجل - بلا شكٍّ - ليس مدفوعًا على حِرفة الأدب، ولا هو بالذي يُنكرُ اطلاعُه ومعرفته، ولكنَّ غاية أمرِه أن يكونَ أديبًا كعامَّة أُدباء عصره، أمَّا أنْ يكون عميد الأدب العربي الذي يُقام له ويُقعَد، فلا والله، إلاَّ أن تكونَ صُمُّ الجنادل نجومًا، وحبَّات الرمْل أقمارًا، والعيون الناضبة بحارًا، وطه للأدب العربي عميدًا!

قرأتُ في كتاب الدكتور الزيَّات: كيف كان طه حسين يَسعى وهو بعدُ أستاذ في الجامعة - عن طريق رفع تقرير إلى اللجنة المكلَّفة بوضْع برامج التعليم - إلى إدخال تعليم لغتين في كليَّة الآداب؛ اللغة اليونانيَّة لأهميَّتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة العالميَّة، واللغة القِبطيَّة لأهميَّتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة المصريَّة!

وقرأتُ فيه أيضًا: كيف كان حريصًا - وهو عميد لكلية الآداب في جامعة القاهرة - على التحكُّم في المقرَّرات التعليميَّة للجامعة، وعلى إدخال تعليم اللغات الأجنبيَّة، والأساطير والخُرافات الوثنيَّة، التي يسمُّونها ثقافة يونانيَّة، وعلى ولوج النساء إلى الجامعة، ومخالطتهنَّ الرجالَ فيها، وعلى غير ذلك؛ مما كان له أثرُه العميق في المجتمع المصري فيما بعدُ.

وقرأتُ في الكتاب أيضًا: كيف كان الرجل حريصًا على منصب المراقب العام للثقافة العامَّة في وزارة المعارف؛ لأنَّه كما يقول: "عَملٌ مُهِم وخطير، وفيه فرصة لتحقيق أفكارٍ في التعليم سجَّلتُ بعضها في كتاب: "مستقبل الثقافة في مصر"، هذا إنْ صحَّ ما نقلَه الزيَّات، وما إخاله إلاَّ صحيحًا.

ثم قرأتُ: كيف سَعَى إلى إنشاء جامعات ومعاهد خارج مصر، تُبَشِّر بأفكاره التغريبيَّة في الثقافة والتعليم، وكيف ربَّى أجيالاً من الطَّلبَة - نسجوا على منواله من بعده - على مبادئه الهدَّامة، التي مُلخَّصها: أنَّ نجاتنا في الالتحاق بالغرب، وإغذاذ السير وراءَه، إلى أن نصِلَ إلى ما وصَلَ إليه من حضارة ماديَّة عصريَّة، أو تنقطع أديانُنا وثقافتُنا وتميُّزُنا الحضاري دون ذلك.

وتساءلتُ بعد أنْ قرأتُ هذا كلَّه، وزدتُ عليه بعضَ ما كنتُ أعرفُ عن الرجل من قبلُ: لو لم يكنْ طه حسين دكتورًا متخرِّجًا من جامعة كبرى مشهود لها عند أهْل الشأن الأكاديمي، أكان يقدرُ على إنجاز نصف ما أنجزه، أو ثُلُثه أو عُشْره، أو أقل من ذلك؟!

نعم، كان يُمْكنه أن يكتبَ في الجرائد، وينشرَ في المجلات، ويبثَّ في الناس مؤلَّفاتٍ يعرضُ فيها عصارة ذِهْنه، ولُباب فِكْره، وكان الناس سيصفقون له في عَصْره - إن أعجبَهم إبداعَه.

ولكنَّه على كلِّ حال لن يكونَ إلا أديبًا من الأدباء، وناقدًا من النُّقَّاد، يتكلمُ كثيرًا كما يتكلَّم أصحاب المعارضة في المجالس النيابيَّة، ثم لا يكون إلا ما يقرِّره مَن لهم مقاليد الحُكْم، وإليهم المرجِع في وضْع المناهج، وصَقْل عقول الناشئة.

لستُ أدَّعي أنَّ الشهادة الأكاديميَّة عصًا سِحْريَّة تجعلُ الأسوار التي توقفُ السَّيْرَ خرابًا، وتحوِّل التلالَ التي تقطع الطريقَ رمْلاً وتُرابًا.

ولستُ أزعمُ أنَّ طه حسين اتَّكأ في صعوده على الشهادة وحدَها، وأنه لم يكنْ له - من المواقف السياسيَّة، والعلائق الاجتماعيَّة، والإسناد الأجنبي - ما يجعلُه في أنظار المتصرِّفين رجلاً ملائمًا؛ لتطبيق ما يريدون تطبيقَه في الأُمَّة؛ من أفكار ومناهجَ.

لستُ أدَّعي ذلك، ولكنَّني أعلمُ أنَّ الشهادة الأكاديميَّة صارتْ - في عُرْف القوم - التزكيةَ الوحيدة التي يقرون بها؛ للتمييز بين المحقِّ والمبْطِل، وبين المبتدئ والمنتهي، وبين الشادي والمختص.

ولطالما تساءلتُ: ما الذي يجعلُ الدعوات الحَدَاثيَّة الهَدَّامَة - في اللغة والأدب والدِّين - تنتشرُ في الأُمة منذ أكثر من قرن من الزمان كما تنتشرُ النار في الهشيم، على الرغم من كثرة الأقْلام التي حذَّرتْ من خطرِها، وكثرة المنابر التي هزَّتها حناجرُ الخطباء؛ إذ يبيِّنون حقيقةَ أمرِها؟!

لِمَ تنتشر هذه الدعوات والقائمون عليها ليسوا من فطاحلِ الفكْر، ولا جَهابذة الرأْي، وليسوا إذا قيسوا بمن يردُّ على باطلهم من العلماء والمفكَّرين، إلاَّ كالبقل في أصول النخْل، وحبَّات الرمْل إن قِيستْ بنجوم السماء؟!

ستقول أيُّها القارئ: ما أيسرَ الجواب عن سؤالك هذا! إنما انتشرتْ بقوة الحديد والنار! بثَّتْها في الأُمة قوى الاستعمار الغربي، ثم سَارَ على نهْجه في نشْرِها وحمايتها والمنافحة عنها بقوة السلطان أقوامٌ تركَهم الغرب بيننا ساهرين على حِفْظ تُراثه، وحماية مبادئه.

وأنا لستُ أنكِرُ هذا الجانب، ولا أبخسُه حقَّه، وهو عندي أول الأسباب وأعظمُها، ولكن للحديث عليه مجال من القول غير هذا الذي نحن فيه.

ولكنني تأمَّلتُ أصحابَ هذه الدعوات، فمنذ بداية العصر الحديث إلى يومنا هذا الذي نتلظَّى بأُوار فِتَنه، فوجدتُ أكثرَهم من أهْل الشهادات الجامعيَّة العُليا، يدخل أحدُهم الجامعة خَلْوًا من كلِّ عِلمٍ يعصمُه، صِفْرًا من كلِّ فِكرٍ يحميه ويحصِّنه، فيجد عند أساتذة الكلية مناهج مُسطرة، وتوجُّهات فكريَّة مُقرَّرة، تكتنفُها دعاوى عريضة، وتبجُّحات تنهدُّ الجبال من هولها، فلا يلبثُ المسكين أن ينساقَ وراء القوم فيما هم فيه، وإذا هو بعد سنوات قليلة قد تخرَّج من الجامعة، وأمسكَ بين أناملِه تلك الورقة السحريَّة، التي تؤهِّله للتأليف والنشر والخطابة، وتمكِّنه من أنْ يعتليَ مِنَصَّة التدريس، يبثُّ في طَلَبته ما أفعمه به أساتذتُه، فتكتمل الحلقة، ويستدير الزمان بأهْله.

وتأمَّلتُ حال العلماء والأدباء الذين وقفوا في وجْه هذه الدعوات الحَدَاثيَّة والإلحاديَّة؛ قديمًا وحديثًا، فرأيتُهم شموسًا وأقمارًا، يضيء فكرُهم سُدْفة الجَهل البهيم، ورأيتُهم بحارًا وأنهارًا، يطمُّ علمُهم فيافي البلاد، فيستنبت كلَّ غضٍّ من الحِكْمة، وكلَّ مُونقٍ من معاني الإيمان، ولكنَّهم - إلاَّ ما لا حُكم له من النادر - ليسوا من حَمَلة الشهادات، ولا هم ممن اكْتحَلتْ أعينُهم برؤية فصول الدراسة الجامعيَّة أصْلاً.

لقد جاء الغرب - منذ أكثر من قرن - بجَحافله إلى بلاد الإسلام، وعَلِمَ أنَّ المعركة ليستْ مقصورةً على ميادين الوغَى، وساحات الهيجاء، بل هي في الأفكار والمفاهيم والتصوُّرات، وقد تيقَّنَ حقَّ اليقين أنَّه ما أخرجَه من هذه البلاد أيَّام الحروب الصليبيَّة، إلاَّ أنَّه حين دخَلَ مزهوًّا بانتصاراته العسكريَّة، لم يَأْبه لصراع الأفكار، ولم يحفلْ أنْ يغيرَ مبادئ الناس، ويدجن أذهانَهم، ويستهوي قلوبَهم، فما عَتَّمَ أنْ خرَجَ مهزومًا، لا يلوي على شيء، حين تحوَّلتْ أفكارُ المسلمين ومبادئهم إلى عساكر وسلاح تدكُّ معاقِلَ الاحتلال الصليبي.

تيقَّن الغربُ ذلك وعَلِمَه، ولكنَّه وجَدَ أمامَه جامعاتٍ إسلاميَّة عريقَة، مُوغِلة في القِدَم، متجَذِّرة في حضارة الأُمة ودينِها وثقافتِها، وجَدَ الأزهر والزيتونة، والقرويين وابن يوسف، فحاوَلَ أن يطوِّعَها لمآربه، ويسخِّرَ شيوخَها وعلماءَها لأغراضه وخُططه، ولكنَّه وجَدَ أمامَه سدًّا منيعًا من المقاومة، وعَلِمَ أنَّه لن ينالَ مِن تلك الجامعات وأهْلها، إلاَّ بعد جُهْد جهيدٍ، ووقتٍ مديدٍ، وليس يملِكُ هذا، ولا تسمح نفسُه بذاك.

وقد استقرَّ في أذهان الغربيين أنَّ الذي يخطُّ طريقًا، أو ينشِئ سكَّة حديدٍ، فيواجهه جبلٌ قائمٌ، ولا يقْدِر على دَكِّ الصخور، وحفْرِ الأَصْلاد، ما عليه إلا أنْ يُغيرَ مَسْلَك الطريق، فيلتف حولَ الجبل، ويُكمل بناءَه بين السهول المنبسطة، التي لا تكلِّفه حَفْرًا ولا هَدمًا، وهذا الذي كان في أغلب بلاد الإسلام.

ترَكَ الكفَّار المحتلون هذه الجامعات على حالها، ولم يتعرَّضوا لها بغارة في رابعة النهار، ولكنَّهم الْتفّوا، فبنوا جامعات عصريَّة فيها من العِلم والأدب الأسماءُ دون الحقائق، كما أنَّ في الدنيا خمْرًا وعَسَلاً، وفي الجنة خمْرًا وعسلاً، وليس الخمْر كالخمر، ولا العسلُ كالعسل.

وبدأتْ هذه الجامعات تُفَرِّخُ العلماء والأدباء، وفتحتْ أمامَهم أبوابَ الحُكم على مِصْراعيها، فتسلموا أزِمَّة الثقافة، وخُطُمَ الحضارة، وأنشأ هؤلاء أجيالاً من الناس، تسيرُ على هَدْيهم، وتتبَّع خُطاهم؛ حُذو القُذَّة بالقُذَّة، إلى أنْ صارَ زمانٌ انقطعَ فيه إنتاج العلماء والمفكِّرين بشكلٍ رسْمي ومنظَّم في أغلب بلاد الإسلام، إلاَّ أنْ يكونَ عن طريق الجامعات العصريَّة، وصار إسهامُ الجامعات العتيقة في الفِكْر والحضارة، على الأطْراف والحواشي، بعد أنْ كانتْ تحلُّ من جسد الأُمَّة محلَّ القلب النابض، والضمير الواعي، فأُغْلِق بعضُها بعد أن اضمحلَّ دورُه في الحياة، وبَقِي بعضُها الآخر صورة هامِدَة، وبدنًا لا رُوحَ فيه.

ولولا أنَّ الله - تعالى - تداركَ هذه الأُمة بصحوة إسلاميَّة جارفة أحْيَتِ المساجد والبيوت بالعِلْم والفِكْر، لانْقَرَضَ العلماء الربَّانيُّون من الأُمَّة، وما بَقِي فيها غيرُ نسْلِ الجامعة.

لقد صارَ العَوَام في كثيرٍ من بلادنا لا يقتنعون بكلام الشخص ما لم يكنْ حاملاً لشهادةٍ أكاديميَّة من إحدى هذه الجامعات العصريَّة.

وصارتْ هذه الشهادة تفتحُ لصاحبها أبوابًا دعويَّة هامَّة؛ في المحاضرات العامَّة، والدورات الثقافيَّة، والجرائد والمجلات، وإصدار الفتاوى، وغير ذلك.

وإنني - والله - لأعْرفُ من العلماء مَن شاب رأْسُه في تحقيق فنون العلم، لو أرسَلَ مقالاً أو فتوى لمجلة أو جريدة سائرة لم تَأْبه له، وأعرف - بالمقابل - من حَمَلة الشهادة الجامعيَّة مَن لا يفرِّق في العلم بين الكوع والبوع، ولكنَّه لو تكلَّم في مسألة ما، لقالَ أهلُ الجهل، وسَدَنة الإعلام الذي يُؤَطِّر العَوَام: "هذا رجلٌ من أهْل الاختصاص؛ فاسمعوا لقوله، ولا تلغوا فيه".

الجامعة إذًا أداة طَيِّعَة في أيدي المتحكِّمين في ثقافة الأُمة، وما علينا إلا أنْ نقفَ من شهاداتها أحدَ موقفين لا ثالثَ لهما:
إمَّا أن نرفضَها رفْضًا قاطعًا؛ لأنها تنشرُ الفكرَ المنحَلَّ، وتبثُّ الجهلَ في صورة العِلم، وتبني جحافلَ من أنصاف العلماء[1] تتصدَّرُ قبل أن تتأهَّلَ، فتُفْسد أكثر مما تُصْلح، وهذا صوابٌ في أغلبه، حقٌّ في مُجمله، وقد بُليتُ من ذلك - أيَّام إعداد شهاداتي الأكاديميَّة - ما أيقنتُ معه أنَّ الجامعة[2] فسادٌ كبيرٌ، وصلاح يسيرٌ، وغرورٌ خطير!

ولا نملكُ بعد هذا الرَّفْض إلا أنْ نضجَّ بألوان التهكُّم على الشهادة الجامعيَّة، ونُلْحِقَها بشهادة الزور في الحقيقة والمعنى، أو نرفعَ عقيرتنا بالشكوى من اختلال المفاهيم، وتطفيف موازين الحُكم على الرجال[3].

وإمَّا أنْ نزاحمَ القوم على كَراسي الجامعة، وقد تحصَّنا من قبل ذلك بدرعٍ سابغة؛ من الاعتقاد السليم، والفِكر الصافي، والعلمِ الشرعي النافع.

فإذا تمكَّنا من تلك الورقة العجيبة التي يسمُّونها شهادة أكاديميَّة، انطلقنا إلى ميادين النضال الفِكري، وقد فُتحتْ أبوابٌ كانتْ من قبل مُغْلقة، وانجلتْ آفاقٌ كانتْ من قبلُ بالغيوم مُلبَّدَة.

إنني لأَجُدني أميلُ كلَّ الميل إلى هذا الموقف الثاني، وأرى أنَّ مصلحة الأُمَّة في ذلك، وإنْ لم يخلُ الأمرُ من بعض المفاسد، ولكنَّها في جَنْب المصالح المرجوَّة قليلة ضئيلة.

ويتأكَّد مَيلي هذا كلَّما رأيتُ خطيبًا على منبر، أو داعية في وسيلة إعلاميَّة، وهو يخبط في العلم خَبْط عشواء، ولا يشفع له أمامَ الناس إلاَّ الدال[4] التي يقدِّمها أمامَ اسمِه، فتُعطيه من الحَصَانة ما لم يكنْ ليدَّعيه دونها، وأتحسَّر حينئذٍ؛ لأنَّ مَن هم أفضل منه؛ سَعة علمٍ، وحِدَّة ذكاءٍ، ونصاعة بيانٍ، لا يستطيعون ارتقاءَ ذلك المنبر؛ لأنهم محجوبون عنه بِعلمهم وفَهمهم؛ عذرًا! أقصد: بانقطاع الوشائج بينهم وبين الجامعة.

إن من رأْيي أنَّ طَلَبةَ العلم المتقدِّمين، والممارسين للشعر والأدب - من الذين لم يتلطَّخوا بأدرانِ التغريب الحضاري، والتميُّع الثقافي، ولم يتشبَّعوا بوساوس الحَدَاثة الفكريَّة المتجرِّدة من كلِّ ضابط، والمتحرِّرة من كلِّ قيدٍ - عليهم أنْ يقتحموا على أهْل الجامعة جامعاتهم، ويحصِّلوا ما أمْكَنَهم من هذه الشهادات الأكاديميَّة العجيبة؛ فإنهم بذلك يسدون الطريقَ أمامَ كثيرٍ من العابثين بتُراث الأُمة، والوالغين في وعْيها وإدراكها الثقافي.

إنَّ كثيرًا من أصحاب الاتجاهات الفكريَّة الهَدَامَّة قد تفطَّنوا إلى هذا المعنى، فكوَّنوا داخِلَ الجامعات العربيَّة مجموعاتِ ضغطٍ - لوبيات بلغة الفرنج - تمتلِك مناصبَ حسَّاسة، يتوارثونها، ويدفعون عن مُزاحمتهم فيها كلَّ مَن ليس على شَاكِلَتهم في المنهج الفكري العام.

فلِمَ نُقصِّر نحن في هذا الْمَيدان، ونكتفي بالشكوى والنقْد؟ أمَا آنَ لنا أن نسعَى إلى تخريج أجيال جديدة من حمَلَة الشهادات الجامعيَّة، هم في الوقت نفسِه علماء راسخون، وأدباء متمكِّنون، فنكون قد رَدَمْنا الهُوَّة بين العلم والشهادة، ومَحَونا أثرَ الفصام بين العلماء وحاملي الشهادات.

هذا رأْيي في هذه المسألة، ومُلخَّصه: ألاَّ تحقرَ الشهادة!


[1] وقد قِيل قديمًا: "إنَّما يُفْسد الدنيا ثلاثة؛ نصف فقيه، ونصف طبيب، ونصف نحْوي؛ فالأول: يُفسد الأدْيانَ، والثاني: يفسد الأبْدانَ، والثالث: يفسد اللِّسانَ".
[2] إلاَّ النادر الذي لا حُكْم له، وما في الجامعة من خير فأصلُه من خارجها؛ مِن حِلَق العلم، ومجالس الذِّكْر التي لم تنقطعْ قطُّ، وما يكون لها أن تنقطعَ - بإذن الله تعالى.
[3] كقول الأديب علي الطنطاوي - رحمه الله - في مقال له بعنوان: (زفرة أخرى) ضمن كتابه "من حديث النفس"، ص (125): "فلماذا درستَ الحقوق إذا كانت الوزارة لا تعرفُ أقدارَ الرجال إلاَّ بما يحملون من شهادات الاختصاص، وكان صاحبُ الليسانس في الحقوق لا يُعد أديبًا في نظرِها ولو كان شوقي زمانه، أو رافعي أوانه، وترى صاحبَ الليسانس في الأدبِ أديبًا ولو كان أعيا من باقلٍ، وأجهلَ مِن جاهل؟!".
[4] أو حتى الذال؛ فالأولى لدرجة الدكتوراه، والثانية لدرجة الأستاذية، وقد يجمع بعضُهم بين الحرفين، فذاك - عند القوم - العَلَم الأوْحَد الذي لا يناقَش ولا يُنْتَقَد!

الأحد، 8 أغسطس 2010

خواطر من الحرمين


(1)
لو كانت الألفاظ قادرة على وصف المعاني كلها وصفا دقيقا، كما تتمثل في الأذهان، وكما تلوح في الخواطر، لما كان لأرباب الأدب، وأساطين البلاغة، فضل على غيرهم من عامة الناس. فما تميز هؤلاء، ولا تفردوا، إلا لأن اختيار الألفاظ والتراكيب التي تقرب المعاني المختلجة في الصدور، صنعةٌ تحتاج إلى ذهن شديد الصفاء، وبراعة محكمة، وجهد مكرث. فهي لذلك صنعة لا يتقنها إلا الأفذاذ من الناس.
ثم إن قصارى جهد هؤلاء الأفذاذ أن يقربوا المعنى إلى ذهن القارئ تقريبا. أما أن يأتوا به على وجهه كما تصوره صاحبه، فذلك ما لا سبيل إليه بحال.
وأما من دونهم من الذين يتكلفون الكتابة وليسوا من أهلها، فالأمر أعسر، والخطب أعظم.
وما علمت أن ألفاظي تخذلني في شيء المعاني، كما تخذلني إن أردت التعبير عما يدور بخلدي، وما يعتمل بمهجتي من المشاعر، حين تضمني رحاب الحرمين..
ولقد احتبست ألفاظي بعد مخاض طويل، حين أردت أن أصف شعوري خلال حجتي التي كانت منذ نحو تسع سنوات، فما سطرت سوداء على بيضاء.
وها أنا اليوم، أتجشم مثل الذي تجشمت من قبل .. وأمامي شاشة الحاسوب المضيئة، يغريني فراغها بالكتابة. فما أدري: هل يأتي المخاض بولادة مباركة، أم يتعسر الحال كما تعسر من قبل؟

(2)
كانت الساعة تقترب من الثالثة والنصف صباحا، حين انبعثت بنا سيارة الأجرة من مطار المدينة النبوية، تنتهب الأرض انتهابا، لا يحول بينها وبين الانطلاق – في هذا الوقت من السحر - شيء من زحام الطرقات.
وما لبثت أن بلغت إلى مشارف المسجد النبوي .. وإذا بالمصلين يتحركون أرسالا ليجيبوا داعي (حي على الفلاح)، وعلى سمتهم مسحة من الوقار، وفي همساتهم عبق من طهر الإيمان، وخطاهم الحثيثة تنساب نحو المسجد النبوي المتلألئ بأضواء الجمال والجلال، كما تنساب مياه الغدران نحو غاياتها التي كتبت لها.
وتلتفت يمينا وشمالا، فلا ترى إلا مقبلا على خير ..
وتصيخ بأذنيك، فلا تسمع فجورا ولا لغوا ..
وتستنشق الهواء بأقصى ما تحمله رئتاك، كأنك تحمل من هذا الهواء الطاهر، زادا تجلبه معك إذا رجعت إلى بلدك.
وتمشي حيث يمشي الناس .. وأبواب المسجد تفتح ذراعيها، لتحتضنك في عناق دافئ، ينسيك ما سلف من أيام الغفلة .. ولا تملك في هذا الحضن الرفيق، إلا أن تستسلم لنداء القلب المشحون، فترسل العنان لدموع تثج من مكامنها ..

(3)
لأي شيء تنهل دموعك يا صاحبي؟
ألأنك ذكرت ساعات الغفلة، التي أفنيت فيها زهرة شبابك، حتى مضت بك رواحل الأيام، تخب بك في فيفاء الحياة، إلى حيث لا رجوع؟
ألأنك تأملت حالك مع الدنيا المُطغية، فإذا بك تتحسر على ما التهمته من فلذات قلبك، وما سودته من صفحات مهجتك؟
ألأنك ذكرت الذنوب التي تناسلت في أركان بدنك وروحك، كما تتناسل الجراثيم المدمرة، حين يتاح لها شيء من العفن تقتات منه؟
ألأن فؤادك المكلوم ذاق حلاوة الطهر في تلك البقاع المنيفة، وتذكر مرارة الغفلة في الربوع التي تركها وراءه، فكرِه أن يُسْلمه ما يستقبل من أيامه إلى تلك الغفلة الخانقة .. وزاد من ألمه الممض أنه يعلم أن الرجوع حتم عليه، لا سبيل له إلى تنكبه .. فجزع لهذا الخاطر، كما يجزع المحكوم عليه بالقتل صبرا حين يقدم إلى جلاده.. ؟

لم تبكي يا صاحبي؟
ألمنظر هذه الجموع المشتاقة إلى الطاعة، المنتظمة في سلك التقرب إلى الله؟
ألصوت هذا النداء الرباني الذي يرتفع عاليا، يشق أديم السماء، فترتفع معه القلوب، مشتاقة إلى رضوان بارئها، متخلصة من قيود التراب؟
ألذكرى الصالحين الذين مروا من هذا المكان، الذي تطأ أرضه، وتستنشق أريجه؟
يا لها من ذكرى تتقطع من ملامستها نياط القلوب !
من هذا المكان، انبجست ينابيع الإيمان والحكمة، فطمت أرجاء المعمورة ..
في هذا المكان، قامت دولة الإسلام الوليدة، بين خلق من الأعداء يتربصون بها الدوائر، كما يتربص أحفادهم بالمسلمين اليوم .. فما زالت تلك الدولة تنمو على عين ربها، حتى تفيأ الكونُ ظلالها الوارفة ..
في هذا المكان، أنزلت آيات القرآن غضة طرية، ثم طبقت في المجتمع الوليد، على أبهى ما يكون من الصور، وأجمل ما يكون من الأحوال ..
من هذا المكان مر الخلفاء الراشدون، تحيط بهم هالة العدل، وتكتنفهم نسائم التقوى ..
من هنا مر الصحابة الأكرمون، والتابعون المبجلون، والأئمة المجتهدون ..
في هذا المكان كان الذي يتلقى الوحي من السماء .. بأبي هو وأمي .. سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم ..

حق لك يا صاحبي أن تذرف دموعك هنا .. فالمحروم من يبست عيناه في مثل هذا المقام:


حُرِم الذي لم يسكب العبرات = في مسجد المبعوث بالرحماتِ


(4)
وعلى ذكر الحرمان والمحرومين، فقد جرى لي كلام مع بعض أهل البلاد، فعلمت أن منهم من يزور المدينة – على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - والمسجدَ النبوي، لأول مرة في حياته ! ثم علمتُ من أناس آخرين – والعهدة عليهم فيما يزعمون – أن هذا ليس نادرا عند أهل بعض المناطق.
سبحان الله !
أليس المسجد النبوي من المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها؟
أليس الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه – غير المسجد الحرام؟
وقد قست هذا إلى حال بعض الناس عندنا، ممن يحنون إلى زيارة الحرمين، فهم يصبحون على شوق، ويمسون على شوق. وتمتد أمامهم جبال من العراقيل، فإذا هم يعالجونها بما يضاهيها من الصبر، فلا يزالون في مغالبة ومدافعة، حتى يمن الله تعالى بالفرج، فلا تسل عن فرحهم يوم ينزلون من الطائرة، وتطأ أقدامهم أرض الجزيرة لأول مرة ..
قست حال هؤلاء إلى حال أولئك، فتعجبت من تباين الأحوال، بين من يُبذل له الشيء المرغوب سهلا ميسرا، فيعرض عنه؛ ومن يسعى إلى ذلك الشيء، ويكد في سعيه، حتى يكاد كيانه ينهد من شدة ما يلقى من الجهد.
ولكن ليس كل الناس يحسن تقدير ما يرفل فيه من النعم. وما ألذ التوفيق إلى شكر النعمة !
والحق أن الحرمان ألوان ..
فمن المحرومين أقوام رأيتهم في المسجد الحرام، في وقت السحر، يخوضون في قيل وقال، وأحاديث الدنيا، وما لا نفع يرجى منه غير تزجية الأوقات، حتى رأيت بعض من بجانبهم، يهجر جوارهم متأففا !
ومنهم نساء وفتيات في المسجد الحرام، يلبسن من الأثواب ما لا يشك أنه من الزينة المتعين سترها، وإن كانت تظنه حجابا أو كالحجاب. وما فائدة الحجاب إن كان فتنة؟ ثم لا تسلْ عن التغنج في الكلام، والتصنع في الحركات ! ولعل جلوس أمثالهن في بيوتهن أن يكون أولى بهن، وأسلم لهن في دينهن، من السعي إلى تلك البقعة الطاهرة على هذه الحال.
ومنهم رجل رأيته، فأنكرت منظره، وطال تعجبي من حاله: على بدنه إزار الإحرام ورداؤه، وفي كفه سيجارة ينفث من دخانها، بين خطوة وأخرى، وهو في طريقه إلى المسجد الحرام !
ومنهم أقوام من الموسرين عندنا، فتح الله لهم أبواب الرزق، وألبسهم من سرابيل العافية، ثم لا تجد الواحد منهم يخطر بباله حج ولا عمرة ! وقد يتعلل بكثرة الأشغال، لكنه إذا جاء موسم العطلة الصيفية، حزم أمتعته، واصطحب عياله، في رحلة إلى إسبانيا أو فرنسا أو غيرها من بلاد الغرب !
ومنهم أناس تتيسر لهم أبواب الحج والعمرة، في أموالهم وأبدانهم، فيسوفون لغير مسوغ، ويتأخرون لغير مبرر، حتى يأتيهم من العوائق ما يجعلهم يندمون على ما فرطوا، ولات حين مندم ! ولقد كنت أنصح بعضهم منذ سنوات بالمبادرة إلى هذا الخير، فيزورّ ويتأخر، حتى جاءنا نظام القرعة في الحج، فلقد رأيته بعدُ متحسرا محزونا.
ومنهم رجل من أهل العلم عندنا – لكنه على بدعة في العقيدة خطيرة – ذُكر لي عنه أنه حكى لبعض تلامذته عن بعض الصعاب التي لاقاها في حجه، ثم ختم حديثه بأن قال: (فلما رجعت إلى بلدي، ودخلت بيتي فرحا مسرورا، شرعتُ أقبّل جدرانه واحدا واحدا ..). فهل رأيت أعجب من هذا الحرمان؟

(5)
ما الذي يجعل للمسجد الحرام هذه الهيبة في صدور قاصديه؟ وما الذي يجعل للكعبة الشريفة هذا الجلال الذي يسحر ألباب الناظرين إليها، ويأخذ بمجامع قلوبهم؟
أتذكر يا صاحبي حين دلفت إلى داخل المسجد الحرام، تحثّ خطاك لتصل إلى مكان الطواف، والسواري أمامك تحجب عنك منظر الكعبة المنيفة، لكنها تتكشف مع كل خطوة تخطوها عن جزء يسير منها، فكأنها تشفق على قلبك الضعيف أن يفجأه ذلك المنظر المهيب، دون أن يسبق ذلك شيء من التدرج والاستعداد؟ حتى إذا انتهيت إلى محاذاة آخر سارية، وقفت تُفتّح عينيك إلى أقصى ما يطيقه جفناك، وتتأمل أفواج الطائفين حول الكعبة، منيبين مبتهلين، وضجيج أدعيتهم يملأ الأسماع.
ما أجمد العين التي لا تهمي عبراتها في ذلك الموقف ! بل ما أقسى القلب الذي لا يتفطر أمام هذا المنظر المتجذر في السمو؟
أتذكر يا صاحبي حين اندفعت إلى الحجر الأسود تشير إليه، وتبدأ طوافك حول الكعبة؟ ألم يخطر ببالك حينئذ عظيم نعمة الله عليك، إذ فتح لك أبواب التقرب إليه، ويسر لك أسباب الرحيل إلى بيته المحرم؟
كم كانت جمةً – يا صاحبي - تلك العراقيل التي انتصبت أمامك لسنوات طوال، فصرفتك عن هذا الخير العميم. فلما صدقت اللجأ إلى مولاك الكريم، انزاحت عنك كلها في طرفة عين كما تنجاب الغيمة، إذا خرقتها أشعة الجوناء.
أتذكر يا صاحبي حين وقفت على الصفا تلهج بالأدعية المأثورة وسط جموع الداعين، وفي ذهنك سؤال يلح عليك، حتى يكاد يصرفك عن كثير من الخشوع: قد خلفت وراءك أقواما لست بأحرص منهم على بلوغ هذا المقام، ولا هم بأقل شوقا منك إلى نيل هذا الفضل الجسيم. فكيف اختارك الكريمُ دونهم، وأسبغ عليك هذه النعمة وأخرهم عنها – ولو إلى حين؟
أما تخشى أن يكون هذا امتحانا، يرى فيه كيف تصنع؛ فتنجح فيه إن أحسنت شكر هذه النعمة، وترسب – والعياذ بالله – إن رجعت إلى بلدك، وليس عليك شيء من آثار الشكر؟
وتنطلق يا صاحبي نحو المروة تسعى، وفي قلبك عزيمة على خوض الامتحان – يسر الله أسباب النجاح ..

(6)
ما أصدق من قال: (رب أخ لك لم تلده أمك).
ذكرت هذا حين التقيت قرب المسجد الحرام الشيخ الكريم عبد الرحمن بن عمر الفقيه الغامدي الأزدي، كان الله له بإحسانه.
وقد كان الشيخ الفقيه في ذهني، لما يقرب من العقد من الزمان، اسما على صفحات ملتقى أهل الحديث، لا صورة ترافقه. لكنني أحببت هذا الاسم، وتعلق قلبي به، كما لو كان الرجل من الخلان الذين أجالسهم كل صباح، وكل مساء.
ولا غرو، فقد عشت مع كلمات الشيخ، وموضوعاته، وردوده، ورسائله. وعايشت مشروعه الجليل: (ملتقى أهل الحديث) منذ أن ولد، إلى أن نما واستوى على سوقه، يعجب طلبة العلم وأهل السنة والجماعة، ويغيظ المبتدعة الأصاغر.
وقد بلغ من تعلقي بالشيخ خلال السنوات الأخيرة أنني كنت في كثير من الأحيان، أضع رأسي في الليل على الوسادة، وأتخيل أنني في مكة، أجالس الشيخ الفقيه، وأجاذبه أطراف الأحاديث.
فلا والله ما كان شخص الرجل بعد اللقاء إلا أعظم وأجل وأكرم، من كل ما كنت أتخيله – وإن كان هو في خيالي من قبل عظيما جليلا كريما.
ثم التقيت بعد الشيخ عبد الرحمن بأخيه الشيخ خالد، فوجدت منه ما وجدت من أخيه: علم وحلم وحكمة وأناة وكرم، وأخلاق هي أخلاق أهل الحديث حقا.
ولقد ذاكرت أحد أحبتي بعد رجوعي إلى المغرب، وكان قد سبقني إلى لقاء الشيخين. فلما أخبرته بما رأيت منهما، قال لي:
-''وهل رأيت أباهما؟''
فقلت:
-''لا، ما قدر لي أن أراه''.
فقال:
-''لو رأيته، لعلمت من أين جاءهما ما أعجبك''.

قد كنت أسمع عن جود الرجال فما = أظنه غير أخبار من الكذبِ


حتى رأيت الفتى الأزديَّ يكرمني = فشمت من جوده ضربا من العجب


ويقتفيه أخوه اللوذعيُّ فما = زال الندى من فعال القوم في تعب


(7)
التقيت في المسجد الحرام بين صلاتي المغرب والعشاء ذات يوم، الأخ الكريم عبد الرحمن الجار الله، فكانت جلسة طيبة، تذاكرنا فيها شيئا من الفقه والأصول. ورأيت من أريحية الرجل ما يسُر.
وقد كان من أفضل ما استفدته منه خلال هذا اللقاء: سلام عطر من الأخ الكريم الشيخ عبد الله العتيق، وأخبار طيبة عن الأخ الكريم الشيخ زياد المطيري.
ولقد وددت – والله – لو كانت لي أجنحة توصلني إلى بلاد نجد، بلا تأشيرة ولا جواز، فألتقي بالرجلين الفاضلين، وبغيرهما من أهل الخير في تلك الأصقاع.

(8)
زرت خلال مقامي بمكة – بمبادرة كريمة من الشيخ عبد الرحمن الفقيه - الشيخَ المحدث عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي. وكانت جلسة طيبة مفيدة، تخللتها بعض الأخبار عن مجالس السماع، ما عقد منها وما هو في طور الإعداد.
وقد تفضل الشيخ الفقيه فاستجاز لي من الشيخ الهاشمي، فأجاب الطلب، وأجازني إجازة عامة بجميع ما يسوغ له التحديث به وروايته، وسلمني الإجازة المكتوبة، وفقه الله تعالى لمرضاته.
ثم وفقني الله تعالى في يوم آخر إلى زيارة الشيخ الفاضل المحقق محمد عزير شمس – حفظه الله تعالى – في رفقة الشيخ عبد الرحمن الفقيه.
والشيخ محمد رجل محبب بشوش، يدخل قلب محاوره بغير استئذان. وقد كانت الجلسة في موضوعات شتى، منها: وصف الشيخ لزيارته الأخيرة لبلاد المغرب، وشيء من الكلام على كتب ابن تيمية وابن القيم – والشيخُ بها خبير -، وتحقيقات الشيخ التي تصدر عن دار عالم الفوائد، ونحو ذلك. وقد اشتكيتُ إلى الشيخ من عدم وصول هذه التحقيقات إلى المغرب، ولكن يبدو أن المشكل ليس له حل في الوقت الراهن.
وقد حضر الجلسة أحد الدعاة السلفيين، اسمه عبد الغفار، وأصله من بلاد الهند. وقد حدثنا عن شيء من أحوال أهل السنة في تلك البلاد مع البريلوية المبتدعة، وتعصب القوم هناك على السلفية وأهلها.
ثم وفقني الله أيضا، فحضرت مجلسا طيبا بدار آل الموجان العامرة. وكان لي مذاكرة طيبة مع الشيخ عبد الرحمن بن حسين الموجان، عن موضوع رسالتي للدكتوراه، وعن بعض كتب المالكية التي تحقق في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وهموم نشر الكتب التي تحقق في الجامعة، ونحو ذلك.
ثم ذاكرت الشيخ الدكتور عبد الله بن حسين الموجان – حفظه الله تعالى - واستفدت من علمه الجم، وأخلاقه الرفيعة، وفكره المعتدل. واكتشفت أن له زيارات كثيرة إلى المغرب، وأن له به وبأهله معرفة بالغة.
وقد تفضل بإهدائي بعض مؤلفاته وتحقيقاته النفيسة، جزاه الله أفضل الجزاء.
وعلى العموم، فقد عرفت من آل الموجان في تلك الجلسة، علما، وكرما، وفضلا؛ زادهم الله من توفيقه.
وكانت هنالك لقاءات أخرى مفيدة نافعة، لا أنشط لوصفها جميعها.

(9)
وقد خبرت خلال زيارتي هذه لبلاد الحرمين، ما للإلف والعادة من ثقل في النفوس.
فمن ذلك أنني جربت أن ألبس (الغترة) لأكون موافقا للباس أهل البلد، ولا أتميز بلباسي المغربي عنهم.
ولكن رأسي ما قبل ذلك، ولا استمسكت (الغترة) فوقه !
فإذا سجدت سابقَتني إلى موضع سجودي فأنشغل بإماطتها، وإذا ركعت كان مبلغ همي أن أنشغل بإصلاحها لكي لا تفر من فوق رأسي، وإذا هب نسيم ألوت هاربة فتتبعتها كفي، لكي لا تطير فينكشف ما تحتها – والعهد بحلق العمرة قريب - !
ولقد أطلت التعجب من القوم، كيف يفعلون مع هذا الثوب العجيب؟ !
ولكن صدق من قال: (لكل امرئ من دهره ما تعودا) !
وإذا كان رأسي لم يقبل (الغترة)، فإن لساني ما استساغ (القهوة العربية)، بل ما أطقت رائحتها، ولا وجدت لها في فمي مسلكا.
وقد اتهمت نفسي، لما رأيت القوم يحبونها، ويستزيدون منها، فسألت بعض من لقيت من أهل المغرب، فثبتوني على رأيي، وآنسوني في ذوقي. و(للناس فيما يعشقون مذاهب).

(10)
آه ما ألذ تلك اللحظات .. وما أطيب تلك السويعات ..
ولولا أمل الرجوع، لكانت أوجاع الموت أيسر من آلام الوداع ..
فاللهم لا تحرمنا من أوبة تقضى بها الحوبة، ومن رجوع إلى ذلك المقام يعجل بمحو الذنوب والآثام.
والحمد لله، وصلى الله على رسول الله، وعلى آله وصحبه.


البشير عصام


27 شعبان 1431

الاثنين، 26 يوليو 2010

بعض أسباب الفتاوى الشاذة

لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في خطورة منصب الفتوى، وعظيم شأنه عند الله وعند الناس. وكيف لا يكون كذلك، وهو مقام التوقيع عن رب العالمين؟ و(إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟))[1](.
والمفتي مخبر عن الله عز وجل، ونائب عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في تبليغ الأحكام الشرعية للأمة. وقد اجتمع فيه مقامان عظيمان في الدين، هما: مقام الاجتهاد، ومقام التعليم والإرشاد. فالأول لتحصيل الحكم الشرعي في النازلة المعروضة، والثاني لبث هذا الحكم، وتبليغه إلى خصوص السائل، أو عموم الأمة.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن بين المفتي والقاضي تفاوتا في عظم خطورة المنصب، فالقاضي أعظم خطرا من جهة كون حكمه تستباح به الفروج والدماء والأموال، على جهة الإلزام، بخلاف حكم المفتي فلا إلزام فيه. لكن المفتي أعظم خطرا من جهة حكمه عاما، لا يختص بفرد أو جماعة معينة، بخلاف حكم القاضي فهو جزئي مخصوص.
ولما كان هذا المنصب بهذه المرتبة السنية، كان تشوف عامة المسلمين – قديما وحديثا - إلى أهله عظيما، وحاجتهم إلى ما يصدر عنهم من الفتاوى والأبحاث جليلة. فحاجة المسلم إلى الفتوى التي تبين له حكم الله، وترشده إلى الحق الذي ينبغي سلوك طريقه، وإلى الباطل الذي ينبغي تنكب سبيله، كحاجته إلى الشراب والغذاء اللذَين بهما قوام بدنه، بل كحاجته إلى الهواء الذي به استدامة حياته. بل لو قيل: إن الحاجة إلى الفتوى أعظم من الحاجة إلى هذا كله، لم يكن بعيدا عن الصواب الحقيق بالقبول، إذ بالفتوى تقوم الأديان، وبها يتقرب المكلف إلى ربه، بفعل ما يحبه، وترك ما يبغضه، فيسلك إلى ما فيه سعادة الدارين.
والمسلمون في هذا العصر لا يخرجون عن هذا الأصل، فهم – في أغلب أحواهم - متشوفون إلى أهل الفتوى، حريصون على معرفة أحكام الله عز وجل. وإذا كان منصب القضاء الشرعي مغيبا في أكثر بلاد الإسلام، فإن منصب الفتوى موجود، وكثير من الذين يعتلونه هم من أهله القائمين بحقه أحسن قيام، وإن كان منصبا مفتوحا أيضا لبعض من ليس بينه وبين العلم الشرعي كبير اتصال.


***

وقد انشغل الناس في السنوات الأخيرة، بطائفة من الفتاوى الشاذة العجيبة، التي يصدرها - بين الفينة والأخرى - بعض المتصدرين قبل تمام التأهل العلمي، ما بين داعية، وواعظ،)[2]( وطالب علم مبتدئ، ومفكر، وكاتب في الصحف السيارة، وأمثال هؤلاء ممن لا ينبغي أن تؤخذ الفتوى العلمية من أحدهم، في نقير ولا قطمير.
وهذه الفتاوى الشاذة – إذا قورنت بمجموع ما يصدر من الفتاوى المنضبطة - قليلة جدا في عددها، ولكن الضرر بها كبير جدا. وما ذلك إلا بسبب ما يحدث إثر صدورها من أخذ ورد في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، حتى يصبح النقاش فيها حديث المجالس، تلوكه الألسنة والأقلام، بعلم حينا، وبجهل أحيانا !
وقد صار لخروج هذه الفتاوى، وعرضها على الرأي العام، عادة مألوفة لا تكاد تتخلف. تبدأ بفتوى مغمورة لبعض المنسوبين إلى العلم أو الفكر، في موقع على الشبكة أو صحيفة قليلة الانتشار. ثم يتكفل بعض أهل الإعلام بنشر الفتوى على وسيلة إعلامية مشتهرة، من صحيفة ذائعة الصيت، أو قناة فضائية يتتبعها ملايين الناس. ويتبرع هذا الصحافي بأن يزيد للفتوى المنشورة سباقا من الإثارة، ولحاقا من التشويق، وقد يزيد – ضغثا على إبالة – فيعقد للفتوى لقاء فكريا، يستدعي له بعض المعارضين، وبعض الموافقين. واسمع حينئذ ما شئت من عصارات الفكر، وأعاجيب التأصيل، ونوادر البراهين؛ في قالب حواري يزري بما يدور في أعرق المجالس النيابية العالمية !
ثم تنتقل الفتوى بعد ذلك إلى الشبكة العنكبوتية، وتأخذ حقها من التجاذب والتناطح. وقد تعرض على كبار أهل العلم، فيتكفل بعضهم بما تيسر من البيان العلمي، وفق الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء الربانيين؛ وإن كانت أكثر هذه الردود العلمية، لا تتداول إلا في صفوف طلبة العلم، ولا تكاد تجد طريقها إلى وسائل الإعلام.
وتمر الأيام والليالي، فلا يبقى من هذا كله في أذهان الناس إلا أن خلافا فقهيا جديدا قد استحدث بعد أن لم يكن، وأن ما لم يكن يخطر ببال العوام إمكانُه في الشرع الحنيف قد صار الآن عندهم من مسائل الخلاف، التي تتنوع فيها الأنظار ما بين متشدد ومتساهل.
وقد يداعبك بعض هؤلاء العوام - حين يأتي ذكر المسألة - بابتسامة ماكرة ويقول: (والخلاف رحمة !).

***

وقد تأملت في السبب الذي يهوّن لبعض هؤلاء المفتين، إخراج مثل هذه الفتاوى العجيبة، فتبين لي أن الأسباب كثيرة جدا، ومتنوعةٌ تنوعَ المؤهلات العلمية، والمكونات الفكرية، والأحوال النفسية، لهؤلاء المتصدرين.
ولكنني ارتأيتُ أن أذكر بعض ما تيسر، وللقارئ أن يزيد من ذلك ما يظهر له.
فمن أهم الأسباب ضعف الملَكة الأصولية، بل قلة الاطلاع على كتب أصول الفقه، وندرة الممارسة لقواعده. ومن المعلوم أن علم أصول الفقه هو الأساس الذي يبتنى عليه علم معرفة الحلال والحرام. والذي يتصدى للفتوى والبحث الفقهي، وهو عريّ من هذا العلم، كالذي يخرج إلى ميدان الوغى بغير سلاح، يوشك أن يولي على عقبيه، مهزوما لا يلوي على شيء. أو هو كالذي يبني العمارة المأهولة الشاهقة، على أساس مائي غير متماسك، يوشك بناؤه أن يخرّ بمن فيه، فيصير أثرا بعد عين.
وقد ذكر جماعة من الأصوليين أن الفقيه الحافظ للأقوال والمذاهب لا يعتد بقوله إلا إن كان مجتهدا، بخلاف الأصولي المتمكن من فنه، فإنه يعتبر خلافه وإن كان غير حافظ للأحكام.
والحق أن هذا الضعف الأصولي لا يظهر عند هذا المفتي المسكين، ما دام منضبطا في إطار مذهب فقهي معين، أو ملتزما بما عليه جمهور الفقهاء، أو متقيدا بالمشهور العلمي في مجتمعه، وهو الذي عليه كبار شيوخ ذلك المجتمع. وذلك لأنه في هذه الحالة، لا يتجاوز نقل ما حفظه، وبث ما سمعه.
ولكنه إذا تكلف عناء البحث المستقل، وكابد مشقة الاجتهاد، لم يلبث أن يقع على أم رأسه، ويخبط خبط العشواء في الظلماء. فتراه يستدل بما لا يصلح أن يكون دليلا إلا عند جماعة المجانين والمبرسمين، ويستنبط بفهمه السقيم من النص ما لا يدل عليه من قريب ولا بعيد، ويرد أفهام العلماء الربانيين، التي صقلها علم أصول الفقه، وهذبها إدمان النظر في استنباطات الفقهاء والأصوليين؛ بفهمه الذي لا رسن له، يكبحه عن الجماح في أودية الباطل.

***

ومن الأسباب أيضا أن بعض هؤلاء تلقف بعض القواعد الأصولية العامة، فجعلها شعارا له في بحثه، وإن لم يتقن مصادرها ومواردها، ولم يعرف قيودها وضوابطها. فهو يعمد إلى القاعدة الصحيحة، فيظلمها باستعمالها في غير محلها.
وأكثر هذه القواعد ظلما: قاعدة مراعاة مقاصد الشريعة، وقاعدة المصالح والمفاسد.
والكلام في بيان الإعمال الصحيح لهاتين القاعدتين، يطول جدا، ولا يحتمله هذا المقال المختصر. ولكن يكفيني هنا أن أقول: إنهما – على ما لهما من شأن عظيم، ومنزلة خطيرة – لا يمكن الاستغناء بهما عن سائر القواعد الأصولية. بل لا يكون إعمالهما إلا للمتبحر في الفقه وأصوله، الذي بلغ فيهما درجة عالية، هي درجة الاجتهاد أو ما يقرب منها.
ولا ينقضي عجبي حين أرى بعض العوام أو الطلبة يتكلمون في المقاصد الشرعية، ويستشهدون ببعض كلام الإمام الشاطبي، وهم لمّا يدرسوا بعد ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه، فضلا عما فوقه من المتون والكتب الجامعة في هذا الفن !
وهذا السبب يلتقي – عند التحقيق - بالسبب الأول، لأن سوء استعمال القاعدتين من ضعف الملكة الأصولية عموما.

***

ومن الأسباب أيضا حب الظهور بمظهر المعتدل أمام عوام الناس لجذبهم إلى الالتزام بالشريعة.
وقد يكون هذا المقصد صحيحا في نفسه، ولكنه لا يبيح بحال تمييع الدين، وتحريف أحكام الشرع.
ولأجل هذا المقصد حلق جمع من الدعاة لحاهم، وظهروا بالملابس الشبابية الخفيفة، وخلطوا في مجالسهم بين النساء والرجال !
ولأجله غيّر جمع من الوعاظ أساليب خطابهم الدعوي، حتى ما عاد عندهم شيء هو حرام أو لا يجوز، وإنما: فيه خلاف .. والأفضل أن .. وليتك تفعل .. !
ولأجله صار بعض المنسوبين للدعوة أو العلم يجاهر بفعل المعاصي التي كان العامي الملتزم يستحيي أن يذكرها عن نفسه منذ عقد من الزمان أو عقدين ! وقد قرأت بعيني كلام عالم يذكر عن نفسه سماع فلان وعلان من أهل الطرب، ومشاهدة فلان من أهل المسرح والتمثيل ! وسمعت بأذني كلام (داعية) يتعمد ذكر عناوين الأفلام والمسلسلات الأمريكية، ويذكر عن نفسه أنه يشاهدها !
ولأجل هذا المقصد أفتى أحد الجهلة – فيما نُقل - بإباحة القبلات بين المراهقين والمراهقات في الأماكن العامة، وأن الحجاب عادة وليس واجبا؛ وأفتى آخر بجواز استعمال الأدوات الجنسية قبل الزواج، وبجواز شرب المرأة المتوحمة الخمر !

ويتأكد هذا المعنى، إذا كانت الفتوى في شيء عمت البلوى به، حتى نشأ عليه الصغير، وشاب عليه الكبير. فحينئذ يصعب على المفتي المسكين أن يخالف المألوف المتداول بين عوام الناس، لما في تلك المخالفة من مجاهرتهم بما لا يرتضونه، ومجابهتهم بما لا يحبونه. فلا يزال الواقع الطاغي يضغط على المسكين، حتى يجعل نفسه منفصمة بين سبيلين متناقضين، لا يملك الجمع بينهما: موافقة الشرع وإرضاء الناس.
ثم لا يلبث أن يجد في قول فقهي شاذ مرذول، ما يمكّنه من هذا الجمع، ولو بهدم بناء الاستدلال الفقهي من أصله. فإذا به يطير بذلك القول فرحا، ويبثه في الناس متهللا محبورا.
وأفضل مثال على هذا: مسألة المعازف، فإن الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها من القوة بمكان، وفي التحريم إجماع - أو ما يشبه الإجماع، في أقل الأحوال. ومع ذلك تجد بعض المعاصرين يستميتون في الاستدلال على الإباحة، فيحشدون كل غث من الأقوال، ويتشبثون بكل شبهة يجعلونها دليلا قائما، ويردون كل دليل يخالف هواهم بالاحتمالات العقلية البعيدة.
ولست أشك أن مرجع هذا كله، إنما هو إلى انتشار المعازف في هذا الزمان انتشارا بالغا، حتى لا يكاد يسلم منها مكان. والدليل على ذلك أنهم يحرمون بعض الأشياء التي يكون دليل تحريمها أضعف من دليل تحريم المعازف بكثير.

***

ومن الأسباب أيضا حب المخالفة، لأنها - فيما يحسب المسكين - دليل القوة العلمية، والتميز المعرفي، وذلك على قاعدة (خالف تُعرف) !
''فإنما يقلد الجاهل، وإنما يجتهد العالم !''
''وإذا أنا خرجت من إسار المألوف العلمي في البيئة الذي أنا فيها، وتركتُ تقليد الشائع المتداول، فما ذلك إلا لقوة مداركي العلمية، وجرأتي الفكرية !''
وقد يصرح بعضهم بادعاء الشجاعة في هذه المخالفة، فيقول مثلا: (هذا القول الذي أتبناه، يراه غيري من العلماء، ولكنهم لا يجرؤون على إظهاره).
ومثل هذا يقال له: إن صح ما تقول – ولا سبيل إلى التحقق من ذلك - أفلا سكتّ كما سكتوا؟

***

ومن الأسباب أيضا أن بعض الدعاة والخطباء قد وقع لهم انفتاح سريع على الغرب، وعلى حضارته الأخاذة، التي تبهر الألباب، وتأخذ بمجامع القلوب؛ وذلك إما عن طريق السفر للدعوة ونحوها، أو عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، من قنوات فضائية وشبكة عنكبوتية ونحو ذلك.
وقد كانوا قبل ذلك في بيئة منغلقة، شددوا فيها على أنفسهم، دون أن يكون ذلك عن علم راسخ، ولا فقه رصين؛ فلما انفتحوا على غير بيئتهم الأصلية، أفضى بهم ذلك إلى نوع من التحلل، والانسلاخ من القيود، وصاروا يسبّحون بحمد الغرب تأصيلا وتفريعا.

***

والكلام في هذه الأسباب وغيرها يطول بنا جدا.
ولكن ما السبيل إلى قطع الطريق أمام هؤلاء المفتونين، الذي يخرجون علينا بهذه الفتاوى الشاذة الغريبة؟
أعظم سبيل إلى ذلك أن ينشر في الناس أن يأخذوا فتاواهم من أهل العلم المعتبرين، ويجتنبوا فتاوى المرتزقة وأنصاف المثقفين.
وأمام هذا الإرشاد والبيان عقبات وإشكالات، ولهذه الإشكالات حلول مقترحات.
ولكن ذلك يأتي في حديث مقبل إن شاء الله تعالى.

14 رجب 1431






1- إعلام الموقعين (2/17).

2- المقصود بهذا من كان متصدرا للدعوة والوعظ دون أن يكون من أهل العلم. وما أكثرهم !

السبت، 19 يونيو 2010

هم رجال ونحن رجال !

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعدُ:
فإن للشيطان مداخلَ عجيبة ينفذ بها إلى بواطن النفس البشرية، ليصرفها عن حق، أو يرميها في حضن باطل.
وهو – عياذا بالله منه – منذ أن تبوأ مقعد عمل الغواية والإضلال، الذي وُكل به، يصد لكل نوع من النفوس ما يلائمها من أسباب الإعراض عن الحق، فيعد للصالحين غير ما يعد للطالحين، ويُغوي أهل العلم بغير ما يغوي به أهل الجهل، وهلم جرا.
إنها معركة قديمة، جمع لها إبليس جراميزه منذ زمن بعيد، ثم هو بعدُ ماض في مهمته لا يغره نصر يحصله، ولا تُكرثه هزيمة يتردى بها. أما خصومه في هذه المعركة، فما بين معد للأمر عدته، وجامع له أهبته؛ وبين غافل عما يراد به، مترد في الأحابيل التي ينصبها له عدوه.
ولستُ أعرف في الشراك التي ينصبها إبليس لأهل العلم، أشد نكاية فيهم، وأعظم أثرا في طبائع نفوسهم، من الغرور الذي يزينه لهم، فينتفخون به انتفاخ الكرة التي يلعب بها الصبي، لا تزال معه حالَ انتفاخها في محنة من الضرب بين الأرجل العابثة.
وأي محنة هي أعظم من محنة ذاك المنتفخ بغير ما ينفع، المزهو بغير ما يملك، المتشبع بما لم يعط، حين يتقدم الصفوف، ويتصدر المجالس، والعيون محدقة في سحنته البهية، والأسماع مصيخة إلى ما سيفوه به من الكلمات الشجية، والقلوب متعلقة بما سيأتي به من البراهين الجلية؛ وهو جالس أمام القوم، يخترع الكلام اختراعا، ويبتدع الأفكار ابتداعا، ويصول في حمى العلم ويجول، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه أفرغ من فراغ، وأذل من فقع قرقرة بقاع !
هذه محنته ..
أما محنة السامعين – إن كانوا ممن بقي لهم بقية من فهم أو صبابة من فطنة – فكمحنة المسجون حين يلقى به في زنزانة مظلمة، فهو ينتظر موعد الخروج بأقصى ما يكون من الشوق !


***

وآفة الغرور لا تقوم في النفس إلا على ركن من الجهل ركين. فالعلم ينفي الغرور كما ينفي الكير خبث الحديد. وقد قيل قديما: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول: تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني: تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث: علم أنه ما يعلم.
وقد أحسن من قال:
العلم حرب للفتى المتعالي = كالسيلِ حرب للمكان العالي
فالعلم والكبر ندّان لا يجتمعان، وما دخل العلم قلبا إلا خرج منه من الكبر بمقدار ما دخل من العلم.
والسبب في التعارض بين هذين واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار. فإن العلم يُري صاحبه من أحوال العلماء السابقين، وسعة دائرة علومهم، وعجيب دقة فهومهم، ما يجعله ينزل من برجه الذي كان يتأهب للصعود عليه، ويحثه على ملازمة منزلته التي تلائمه حقا، وحفظ منزلة هؤلاء العلماء المتقدمين، كما يكون البقل في أصول النخل الطوال.
وإن العلم أيضا ليتشعب بصاحبه، فلا يكاد يتقن فرعا حتى يعرض له غيره، ولا يكاد يفهم أصلا حتى يواجهه سواه. ولا يزال متنقلا في حياض العلم، من ساقية إلى نهر، ومن نهر إلى بحر، حتى يوقن أن إدراك الغاية القصوى من هذا العلم الذي هو بصدده، حلم لا سبيل إليه؛ وإنما قصاراه السير في الطريق، وجمع ما أمكنه من الثمار.
فكيف يغتر بعد ذلك من خاض هذا الخضم؟
وما أشبه حال المتعلم بحال المغامر الذي يتلمس سبيله في وسط غابة كثيرة الأشجار، ملتفة النباتات، وبيده مدية كبيرة يفتح بها الطريق أمامه. لكنه لا يقطع غصنا إلا ظهرت أمامه أغصان لا تتناهى كثرة، فمتى يقول إنه وصل غايته؟ !

***

والغرور يحمل صاحبه على وقف مسيرة التعلم، والاكتفاء بما حصله من العلم – ولو كان قليلا.
وإذا كان – بحسب ما يدعيه – قد وصل إلى هذه المرتبة العلمية المنيفة، وتسنم هذه المكانة الفكرية الباذخة، ففيم يجهد نفسه في التحصيل العلمي، الذي لا يليق بزعمه إلا بالمبتدئين؟
وكم تضيع على هؤلاء المغرورين من العلوم والمعارف !
وأعرف منهم من لا يفتح الكتاب إلا لماما، ولا يثني ركبته في مجلس علم مطلقا؛ وهو بعدُ دائم التنقل من محاضرة إلى ندوة، ومن برنامج إذاعي إلى لقاء بقناة تلفزية، يجتر الكلام نفسه، ويتلفظ معادا من القول مكرورا.
فهي دائرة مغلقة إذن: جهل يجر إلى غرور، وغرور يجر إلى جهل !
ثم إن الغرور يقطع على صاحبه طريق الأوبة إلى الحق، ويهون عليه الاستمرار في الباطل، مع علمه بأنه باطل. أما المتواضع الذي يعرف قدر نفسه، فأسهل شيء عليه أن يقول: أخطأتُ في كذا، وأنا عنه راجع من ساعتي هذه !

***

والغرور عند المنتسبين إلى العلم ليس من مبتدعات هذا العصر الذي نحن فيه، فقد كان موجودا – على قلة – عند بعض المتقدمين. ودليل وجوده كثرة إنكار العلماء الربانيين على أهله، وما كانوا لينكروا أمرا لا وجود له في الواقع.
لكن ما أتى هذا العصر حتى اتسع الخرق على الراقع، فازداد الغرور بمقدار ما نقص من العلم.
وأكثر ما ضخم هذه الظاهرة في عصرنا، تلك الشهادات الأكاديمية التي تمجّها الجامعات الإسلامية (الدكتوراه فما دونها). وهي شهادات تحمل – في الغالب - على كثير من الكبر، وتصرف عن كثير من التعلم.
وصاحب الشهادة الجامعية – إن كان لم يأخذ علمَه إلا من الجامعة - من أسرع الناس تساقطا في مهاوي الغرور، لا ينقذه منه إلا أن يبادر إلى نهل العلم من مصادره الأصيلة. لكنه إن لم يفعل، غلبه ما شحن به ذهنه خلال دراسته الجامعية من السطحية التي تلامس عناوين المسائل، ولا تخوض في غمار التفصيلات العلمية الدقيقة، التي تنمي الملكة العلمية الراسخة.
والنتيجة الحتمية لهذه السطحية في التحمل، أن الطالب – الذي سرعان ما صار أستاذا يشار إليه بالبنان – يتعامل مع كل المسائل العلمية التي تواجهه بسطحية في الأداء أيضا.
فإن أشكل عليه أمر فزع إلى المقاصد الكبرى، والمصالح العامة، وإلى نتف من هنا وهناك، وشذرات عامة يجمّعها من كل حدب وصوب، وينثرها كيفما اتفق.

***

وصاحبنا المغرور له في كل فن حيلة يجعلها شعارا لكلامه ودثارا، فتغنيه عن كثير من العلم، وتظهره – عند الأغمار والعوام - في صورة المحقق المتمكن !
فإذا أعياه تفسير آية من كتاب الله تعالى، لم يعسر عليه أن يقول: يبدو لي أن المعنى كذا. فإن ظهر أنه خالف إجماع المفسرين قال بلهجة الواثق: كلام المفسرين ليس وحيا منزلا، وقد جدّت أمور وأوضاع، فلنا أن نقول كما قالوا، ونرى كما رأوا !
وإذا خالف هواه حديثا من أحاديث البشير النذير صلى الله عليه وسلم، فزع إلى تضعيفه بكلام تستحي العنكبوت أن تنسج مثله. ثم احتمى ببعض الدعاوى العريضة التي تجعل له مخرجا من الدهليز الذي دلف إليه.
وإذا اعترضته مسألة فقهية أو فتوى شرعية، أغناه عن تكلّف بحثها تفصيلا، الاتكاء على مقاصد الشريعة كما يفهمها، ونظرية المصالح والمفاسد كما يتصورها. وإن عصمه الله بشيء من الورع، تفكر قليلا، ثم قال بلهجة من أحاط بالمسألة من كل جوانبها: (في المسألة خلاف !).
وإذا أشكلت عليه دقائق علم النحو والصرف، قال: (ما لنا وللخليل وسيبويه؟ ! فلنرجع إلى الظواهر اللغوية الأصلية لنجدد هذا العلم ..). فكأن نحاة العربية كانوا يرجعون في تأصيل قواعدهم إلى دراسة ظواهر الألمانية أو الروسية !
وإذا صعب عليه فهم مسألة بلاغية، قال: (اتركونا من عجمة المتأخرين، وأرجعونا إلى فصاحة الأوائل). ثم ما هو من أهل الأولى ولا الثانية !
وإذا عسر عليه شيء من علم العروض والقوافي، قال: (ما أثقله من علم ! وما أسمجها من مصطلحات ! علينا تجديد هذا الفن، وإلغاء تعقيدات الخليل ومن شايعه.. ).
وهكذا قل في سائر الفنون: دعاوى ووصايا تخفي جهلا وكبرا.

***

هكذا حال كثير من هؤلاء المتكبرين المنتسبين إلى العلوم الشرعية.
دخلوا الميدان من غير بابه، فاختلطت عليهم الأمور، وصاروا يخبطون في العلم خبط عشواء. وقصارى جهد الواحد منهم أن يقول:
- لست ملزما بقول الإمام الفلاني ..
- ولي عقل حر، يمكنني من أن آخذ ما أشاء، وأدع ما أشاء ..
- ولا تحجر على تفكيري، فلست من المقلدين

وإذا ذكر أمامه السلف والأئمة المتقدمون قال:
(هم رجال .. ونحن رجال).
ونحن نقول:
أما الأولى، فلا شك في صحتها ..
وأما الثانية، فما أبعدها عن الصواب.

البشير عصام
7 رجب 1431

السبت، 5 يونيو 2010

هذه قضيتنا .. (عن هجوم جيش اليهود على قافلة الحرية)

(المقال منشور على شبكة الألوكة، على الرابط: هذه قضيتنا)
بسم الله الرحمن الرحيم
خرج العشرات من شجعان المسلمين، ومعهم كثير من محبي الحرية، وأعداء الظلم، في رحلة بحرية، منطلقة من تركيا، وغايتها أن توصل إلى الشعب الفلسطيني المجاهد على أرض غزة، من المؤن الغذائية والطبية، ما يرفع عنه – ولو إلى حين – شيئا من لذع الجوع، ومرارة الفاقة، وهوان العزلة.
وكان أن تصدت لهذه القافلة البحرية المسالمة، شراذم من عساكر العدو الصهيوني الأثيم، فاستطالوا عليهم كما تستطيل جماعة الذئاب على الفريسة المنعزلة عن أهلها، فتتناولها بأنيابها ومخالبها، وهي آمنة من الرقيب أو العدو الأمنَ كله، مطمئنة إلى مودة الصديق الذي لا يسأل في النائبات برهانا، الطمأنينةَ كلها !
فكان أن ارتفع من أهل القافلة أقوامٌ، فعدوا من القتلى .. وأقوام آخرون احتسبوا من الجرحى. نسأل الله تعالى أن يتقبل القتلى عنده من الشهداء، وأن يعجل بشفاء الجرحى، ويردهم إلى أهلهم، على أفضل ما يحبون.
ولم يكن في كل ما وقع جديدٌ في أمور الوقائع السياسية، ولا مبتدَع من أحوال هذا الصراع الأبدي بين الحق والباطل، ولا مستحدث في خصوص هذا الصراع بين المسلمين واليهود، مذ أشرقت على الناس شمس الإسلام.
أما في وقائع السياسة، فلأنها تاريخ مستمر من الصراع بين الإرادات المتفاوتة في ما يعضدها من قوة مادية. ثم إن الغلبة تكون دائما للإرادة التي تستطيع أن تنتقل من ضيق الكلمة، إلى فسحة العمل؛ ومن ضوضاء الشعارات البراقة، إلى سكون الفعل الهادف. وهذا الذي فعله اليهود في هذا الزمن الذي نتلظى بأواره .. وهذا الذي أغفلنا أن نطبقه – جهلا من بعضنا وتعمدا من الآخرين - وجرينا لاهثين وراء الكلام المجرد، وأحلام العدالة الدولية، وسراب القانون الإنساني المنصف.
والحق الذي لا مرية فيه، أن العدل لا تقوم أركانه، وأن الحقوق لا ترد إلى أصحابها، إلا بمجالدة ومدافعة، وأن ما سوى ذلك حِلم مصطنع:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له = بوادر تحمي صفوه أن يتكدرا
وأما في الصراع بين الحق والباطل، فلأن الباطل لا يمكن أن يرضى بعتبة يقف عندها ولا يتجاوزها، وإنما هو كالدود الذي ينخر الجثة الهامدة، لا يتوقف إلا عندما يحيلها عدما، أو كالعدم.
وإذا استكان الحق، وترك مناجزة الباطل، وأهمل أن يطلبه في مواطنه ليقارعه وينتصف منه، لم يلبث أن يجد نفسه في موقف المدافع، الذي يستطيل عليه الباطل، ويذيقه صنوف الهوان.
كان المدافعون – من أهل الإسلام ومن التحق بصفهم – لا يرضون باليهود دولةً ولا كيانا، ويناوئون هؤلاء الدخلاء عسكريا وسياسيا وإعلاميا، وعلى كل ميدان، يصح فيه رفع راية المجاهدة والمغالبة.
ثم فاوضوا – أو قل: فاوض بعضهم، وأنكر بعضهم، وسكت الأكثرون - فتحولت القضية في بعض مظاهرها إلى قضية إنسانية محضة: كسر الحصار عن غزة، ومعالجة المرضى، وإنقاذ الشيوخ والأطفال.
ثم ما رضي العدو حتى جعل المسلمين – وهم في قضيتهم الإنسانية الصغيرة هذه - لا يصلون أيضا إلى ما يودون من الانتصار. بل هو يراوحون مكانهم، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، مع أن المطلب – بقياس الدين والسياسة معا – صغير جدا، لا يصلح أن يكون هدفا مرحليا، فضلا عن غاية عظمى.
وأما في خصوص الصراع بين المسلمين واليهود، فلأن اليهود جبلوا على الجبن، طبعا فيهم مستحكما، لا يرفعه عنهم دولة قائمة، ولا سلاح ذري، ولا دعم معنوي تغدقه عليهم دول النصرانية المتجبرة. بهذا الجبن عُرفوا مذ كانوا، فحكاه عنهم القرآن في غير موضع، ومن أصدق من الله قيلا !
ومن طبع الجبان أن ينازل الضعفاء، ويتجبر عليهم، ليرضي نفسه المهزوزة، ويثبت قلبه المرتعش، بانتصار – ولو أن يكون وهميا.
***
لم يحدث جديد إذن ..
العدو الصهيوني يتجبر..
وقادة العالم بين متعاطف يستخفي بتعاطفه، ومستنكر يستعلن بإنكاره ..
وحكام المسلمين يستنكرون في كلام هو بالصمت أشبه ..
وشعوب الأمة تتحرق من شدة الغيظ، وتتلوى من تباريح الشوق إلى ميادين العمل المثمر، ثم لا تجد من العمل الممكن غير الكلام، الذي يبدأ صراخا، ثم يتحول – بسبب من اليأس أو السلوّ أو منهما معا - إلى حشرجة خافتة.
لا جديد؟
بلى !
في الحادثة جديد، أو قل: شيء يريد كثير من الناس أن يكون جديدا ..
سئمت الشعوب المسلمة من توالي الجديدين بسلسلة رتيبة من وقائع الذل وأحداث الاستكانة، فتطلعت إلى جديد ينقذها من هذه الرتابة الخانقة. وكان ذلك الجديد أملا غامرا في قائد، يسوس الأمة إلى سابق مجدها. وكان ذلك القائد في – خيال الشعوب – هو حكام دولة تركيا.
وانطلقت الشعوب تمجد هؤلاء الحكام، وتهتف لهم، وتتمثل فيهم غصن النجاة الذي سيخرج الأمة من أوحال الهزيمة التي تردت فيها.
بل قارن بعض الناس بسرعة عجيبة، بين حكام تركيا اليوم، وبين دولة العثمانيين التي قادت الأمة قرونا متطاولة، وتقدمت جحافل الجهاد الإسلامي في قلب أوروبا الصليبية !
ولست بطبعي متشائما. وكيف يجد التشاؤم سبيله إلى قلب عرف وعد الله الذي لا يتخلف، وتدبر سنن الكون التي لا تتغير؟ !
وأنا أيضا لست ممن يهوى مفارقة جماعة الناس، لا لشيء إلا لحب المخالفة، على قاعدة (خالف تعرف).
ولكنني لست ممن ينبهر بالكلام العاطفي، ولا أنا ممن يغتر بالشعارات الزائفة. وأعرف - من طول تقليب النظر في أحوال السياسة وأهلها – كيف أميز بين الكلام الذي هو كلام، والكلام الذي تأتي الأعمال على إثره سراعا.
وإذا تأملنا ما فعله قادة تركيا اليوم، وجدناهم أفضل من غيرهم في خصوص موقفهم هذا. ولكن ماذا وراء ذلك؟
لا ينبغي أن ننسى – وآفة شعوبنا ضعف الذاكرة إلى حد التبلد – أن هؤلاء القادة كانوا إلى أمد قريب جدا يصافحون قادة اليهود الغاصبين، ويضاحكونهم، ويتبادلون الزيارات الودية معهم.
ولا ينبغي أن ننسى أن العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ودولة العدو قائمة مستقرة، مع شيء من التوتر، والمشاحنة اللفظية، توجد نظائره بين كثير من الدول الحليفة، التي تجمع بينها مصالح سياسية واقتصادية كبرى.
ولا ينبغي أن ننسى حقيقة هذا الموقف التركي الذي ارتفع به قادة هذا البلد – في طرفة عين - إلى مصاف المنقذين والأبطال: دولة توجه قافلة إنسانية، فيتعرض لها جنود دولة أخرى في المياه الدولية، ويقتلون ويجرحون العشرات من رعاياها، ثم يكون ردها خطابا حماسيا، واستدعاء للسفير، وتهديدا بقطع العلاقات الدبلوماسية !
أهكذا كانت ردود الخلفاء العثمانيين، الذين يشبه قادة تركيا اليوم بهم؟
ثم لا ينبغي أن ننسى الأخطر، الذي قد يضيع في هذا البحر المتلاطم من الكلمات والخطابات والشعارات.
الأخطر أن قادة تركيا إنما يتحدثون عن القضية من جانبها الإنساني فقط. فقضية فلسطين محجّمة عندهم في خصوص مأساة غزة، وضرورة كسر الحصار الظالم المفروض على أهلها. وتحجيم القضية في هذا الجانب الإنساني المحض لا ينازع فيه كثيرون ممن لا يحملون هم القضية الفلسطينية أصلا، من أهل أوروبا وأمريكا، ومن دعاة حقوق الإنسان، ومحبي الحرية في كل مكان.
جميل أن يقال: (لن ننسى غزة !).
ولكن الأجمل أن يقال: (لن ننسى القدس !)، بل (لن ننسى حيفا ولا يافا !). وبعبارة أخرى أكثر وضوحا: (لسنا نقبل بوجود شيء اسمه دولة إسرائيل، فضلا عن أن نفاوض هذه الدولة اللقيطة، فضلا عن أن نستجديهم أو نطالبهم – والفرق عند التحقيق يسير - ليرفعوا الحصار الاقتصادي عن أهل غزة).
بل الأجمل من ذلك كله، فعل تغني شرارته الملتهبة عن كثير من القول.

***

نعم، إن من الحق أن يقال إن تركيا عاشت عقودا تحت حكم علماني هو من أعتى ما وجد في هذا العصر تعصبا للعلمانية وحضارة الغرب الكافر، ومروقا من الإسلام وقيم الشرق. ومن الحق أيضا أن الخروج من هذا السرداب المظلم لا يكون إلا بكثير من الجهد، ووابل من التضحيات الجسام. ومن الحق أخيرا أن قادة تركيا الجدد قد خطوا في طريق الخروج من هذا السرداب، بعض الخطوات الخجولة التي تفتح بابا للأمل، في مستقبل زاهر.
أما أن تقتنع الشعوب أن هذه المواقف المعلنة خير ما يتوقع، وأفضل ما يكون، فوهم عريض، وترد في مهاوي القناعة بالذل، واستمراء الهوان.
وأما أن يقارن هؤلاء القادة من أصحاب الخطابات والكلمات، بالخلفاء العثمانيين، الذي غرسوا أعلام الجهاد في قلب الصليبية الحاقدة، فتطفيف عجيب في الموازين، وقلب خطير للحقائق، وتسمية للأشياء بغير أسمائها، إلا أن يكون ذلك على طريقة العرب حين يسمون اللديغ سليما .. تفاؤلا.

***

ليس يهمني كثيرا أن أحلل الموقف التركي، ولا أن أتنبأ بما سيؤول إليه فيما يستقبل من أيام الناس. فهذه أمور سياسية آنية، قد تتمخض عن العظيم، وقد ينتج عنها الحقير، بل قد تمحى وتزول، فكأنها ما كانت قط !
ولكن الذي يحزنني كثيرا، بل يملأ كياني كله قلقا وألما، أنني أرى الأمة لا تزال – بعد أحقاب متطاولة – غير قادرة على معرفة حقيقة غاياتها، وطبيعة ما يطلب منها للوصول إلى تلك الغايات.
ويحزنني أنها لا تمتلك – إلا عند قلة قليلة من أفرادها – الميزان العقدي الصارم الذي يوزن به الأشخاص، وتميز به الجماعات، وتمحص به الأفكار، فتطرح العقائد الفاسدة، والتصورات الفكرية المنحرفة، بدلا من أن ترفع إلى درجات القيادة والريادة.
ويحزنني أنها – بعد أن لدغت مرارا من جحر النفاق السياسي – لا تزال مستعدة للانخداع مرة ومرات، بل كلما نعق ناعق، أو صدح صادح.
ويحزنني أنها لا تقرأ تاريخها، ولا تاريخ الآخرين، وأنها إذا قرأت سرعان ما تصيبها آفة النسيان، فتقتلع من القلوب والأذهان جذور الفهم، وتكسر أدوات التحليل المنطقي السليم.
ويحزنني أنني أسمع عن غزة، وعن حصار غزة .. ولا أسمع – إلا لماما – عن محاولات تهويد القدس، وتخريب الأقصى .. ولا أسمع قط عن وجوب تحرير فلسطين كلها، من النهر إلى البحر.
هذه قضيتنا، فلا تنسوها ..

السبت، 19 ديسمبر 2009

نظم أصول الإمام مالك، والقواعد الفقهية الخمسة


الحمد لله
هذا نظم لأصول مذهب الإمام مالك ليسهل حفظها، وهو - لاختصاره - يغني عن نظم ابن أبي كف رحمه الله:

أصول مذهب الإمام مالك = خذْ نظمها معبّد المسالك

نص وظاهر كذا المخالفه = فحوى الخطاب الاقتضا قد أُردِفه (الهاء للسكت)

الايماء، ذي الستة في الوحيين = الاجماع والقياس دون مين

وعمل بطيبة، وقول = صحب والاستحسان، ثم تتلو

ذرائعُ استصحابهم ثم الخبرْ = مصلحة رعي خلاف معتبرْ


وأردفت هذا النظم، بنظم القواعد الخمسة التي مدار الفقه عليها:


الشك واليقين، يرفع الضرر = مشقة تجلب يسرا ينتظرْ



وحكّمِ العادةَ، فالمقاصدُ = كذاك تُروى الخمسةُ القواعدُ

 2 محرم 1431


 

الجمعة، 22 مايو 2009

نظم موجبات الهدي عند المالكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فهذا نظم في عشرة أبيات، جمعتُ فيه موجبات الهدي في المذهب المالكي، لمن أراد استحضارها، معتمدا في تحديدها على ما في (مدونة الفقه المالكي) للغرياني (2/151) نقلا عن حاشية هداية الناسك على توضيح المناسك : 87.


النظم:
خُذ موجبات الهدي عند مالك = نظمتُها تذكرةً للناسكِ
تجاوز الميقات، ترك التلبيه = وركعتين للطواف توفيه
تأخير رمي، وكذا ترك المبيتْ = حلق، طواف للقدوم ما نسيت
ولا لعذر، ترك سعي بعدُ، لا = وقوف في التاسع حتى يدخلا
مكةَ، أو إفاضة في المؤتمر = وترك الابتداء من ركن الحجر
أو وقفة نهار يوم اجتبي = ونية الخروج قبل المغرب
وعدم المشي لقادر لدى = طواف او سعي أو الفصل بدا
بينهما، أو بين أجزائهما = والسعي إن طوافه ما انحتما
ترك نزوله بمزدلفةِ = تأخيره الرمي عن الإفاضةِ
صلاة ركعتي طواف واجب = بداخل الكعبة، فاشكر ما حبي


التعليق المختصر على ألفاظ النظم (التعليقات الفقهية مأخوذة من الكتاب المذكور):

خُذ موجبات الهدي عند مالك = نظمتُها تذكرةً للناسكِ
تجاوز الميقات
أي: الإحرام بعد مجاوزة الميقات لمن يريد دخول مكة لأحد النسكين.
ترك التلبيه
أي: ترك التلبية تركاً كاملاً من أول الإحرام إلى آخره ، أو تركها من أول الإحرام إلى أن يمضي يوم أو ما قاربه.
وركعتين للطواف توفيه
أي: وترك ركعتين هما توفيةٌ للطواف، والمقصود: ترك ركعتي الطواف الواجب إلى أن يرجع الحاج إلى بلده ، أو فعلهما بعد الطواف بوضوء جديد لمن انتقض وضوؤه بعد الطواف ، ولم يُعِد معهما الطواف ، واستمر على ذلك حتى رجع إلى بلده.
تأخير رمي
أي: تأخير رمي جمرة من الجمار ، ولو حصاة واحدة إلى الليل ، وأولى تأخيرها بعد انتهاء أيام الرمي.
وكذا ترك المبيتْ
أي: ترك المبيت بمنى جل ليلة من ليالي الرمي ، أولى ترك المبيت ليلة كاملة.
حلقٍ
أي: ترك الحلق إلى رجوع الحاج إلى بلده ، أو تركه حتى مضت مدة طويلة ولو لم يرجع إلى بلده ، أو تأخيره حتى أحرم بنسكٍ آخر.
طوافٍ للقدوم ما نسيتْ .. ولا لعذرٍ
أي: ترك طواف القدوم من غير عذر ولا نسيان إلى وقت الوقوف بعرفة.
ترك سعي بعدُ
أي: بعدَ طواف القدوم، وتأخيره إلى طواف الإفاضة.
لا وقوفَ في التاسع حتى يدخلا مكةَ
أي: ذهاب الحاج الذي أحرم من الميقات إلى عرفة يوم التاسع للوقوف قبل أن يدخل مكة مع اتساع الوقت وإمكان دخوله.
والألف في (يدخلا) لإطلاق القافية.
أو إفاضة في المؤتـمِرْ
أي: تأخير طواف الإفاضة أو السعي إلى شهر محرم، وكذلك تأخيرهما معاً.
والمؤتمِر: المحرّم.
وفي لسان العرب:
(ومُؤْتَمِرٌ والمُؤْتَمِرُ المُحَرَّمُ. أَنشد ابن الأَعرابي:
نَحْنُ أَجَرْنا كلَّ ذَيَّالٍ قَتِرْ = في الحَجِّ من قَبْلِ دَآدي المُؤْتَمِرْ).
وترك الابتداء من ركن الحجر
أي: عدم البدء في الطواف بالحجر الأسود، ما لم يُعِد ما فعله من الطواف قبل وصول الحجر.
أو وقفة نهارَ يومٍ اجتبي
اجتبيَ: أي اصطفي واختير، والمقصود به يوم عرفة، لما له من الفضل المشهور.
والمقصود: ترك الوقوف بعرفة نهارًا بعد الزوال.
ونية الخروج قبل المغرب
أي: نية الخروج من عرفة قبل الغروب، مع عدم التمكن من الخروج قبل الغروب فعلاً ، وإلا لو تمكن الحاج من الخروج قبل الغروب لفاته الحج.
وعدم المشي لقادر لدى طواف اَو سعي
أي: ترك المشي في الطواف أو السعي للقادر على المشي إذا لم يعدهما ماشياً
أو الفصل بدا بينهما
بدا أي: ظهر. والضمير في (بينهما) عائد إلى الطواف والسعي، أي: التفريق بين الطواف والسعي بزمن طويل إذا لم يعدهما الحاج متصلين
أو بين أجزائهما
أي التفريق بين أجزاء الطواف أو أجزاء السعي بالزمن الطويل.
والسعي إن طوافه ما انحتما
أي: السعي بعد طواف غير واجب.
ترك نزوله بمزدلفة
أي: ترك النزول بالمزدلفة ليلة النحر
تأخيره الرمي عن الإفاضة
أي: تقديم طواف الإفاضة على الرمي.
صلاة ركعتي طواف واجب بداخل الكعبة
صلاة ركعتي الطواف الواجب في الحجر أو الكعبة.
فاشكر ما حُـبـِي
أي: ما أُعطيَ.


تنبيه وفائدة:

التنبيه:
ذُكر في هذا النظم عشرون موجبا من موجبات الهدي. وليس هذا العدد محل اتفاق عند المالكية، بل فيها نزاع وتفصيل. وقد ذكر الحطاب ثلاثة وأربعين فعلا منها أربعة عشر متفق على إيجاب الدم بتركه، والباقي مختلف فيه لكن المشهور إيجابه في ثلاثة عشر منها، والعكس في ستة عشر.


الفائدة:
في أسماء الشهور عند العرب العاربة:
في نهاية الأرب للنويري (1/148):
(والأشهر العربية قسمان: قسم غير مستعمل، وهو الذي وضعته العرب العاربة؛ وقسم مستعمل، وهو الذي وضعته العرب المستعربة، وكلا القسمين موضوع على الأشهر القمرية.
فأما القسم غير المستعمل، فهو أسماء كانت العرب العاربة اصطلحوا عليها، وهي: مؤتمر، ناجر، خوان، صوان (ويقال فيه: بصان)، رنى، أيدة، الأصم، عادل، ناطل، واغل، ورنة، بُرك.
وفي هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة. والذي ذكرناه منها هو المشهور، ويدل عليه قول الشاعر:
بمؤتمرٍ وناجرٍ ابتدأنا = وبالخوان يتبعه البصَان
ورُنّى ثم أيِّدةٌ تليه = تعودُ أصمّ صمَّ به السنان
وعادله وناطله جميعاً = وواغله فهم غرر حسانُ
وورنةُ بعدها بُرَكٌ فتمّت = شهور الحول يعقدها البنان).انتهى
والحمد لله رب العالمين.