الاثنين، 26 يوليو 2010

بعض أسباب الفتاوى الشاذة

لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في خطورة منصب الفتوى، وعظيم شأنه عند الله وعند الناس. وكيف لا يكون كذلك، وهو مقام التوقيع عن رب العالمين؟ و(إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟))[1](.
والمفتي مخبر عن الله عز وجل، ونائب عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في تبليغ الأحكام الشرعية للأمة. وقد اجتمع فيه مقامان عظيمان في الدين، هما: مقام الاجتهاد، ومقام التعليم والإرشاد. فالأول لتحصيل الحكم الشرعي في النازلة المعروضة، والثاني لبث هذا الحكم، وتبليغه إلى خصوص السائل، أو عموم الأمة.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن بين المفتي والقاضي تفاوتا في عظم خطورة المنصب، فالقاضي أعظم خطرا من جهة كون حكمه تستباح به الفروج والدماء والأموال، على جهة الإلزام، بخلاف حكم المفتي فلا إلزام فيه. لكن المفتي أعظم خطرا من جهة حكمه عاما، لا يختص بفرد أو جماعة معينة، بخلاف حكم القاضي فهو جزئي مخصوص.
ولما كان هذا المنصب بهذه المرتبة السنية، كان تشوف عامة المسلمين – قديما وحديثا - إلى أهله عظيما، وحاجتهم إلى ما يصدر عنهم من الفتاوى والأبحاث جليلة. فحاجة المسلم إلى الفتوى التي تبين له حكم الله، وترشده إلى الحق الذي ينبغي سلوك طريقه، وإلى الباطل الذي ينبغي تنكب سبيله، كحاجته إلى الشراب والغذاء اللذَين بهما قوام بدنه، بل كحاجته إلى الهواء الذي به استدامة حياته. بل لو قيل: إن الحاجة إلى الفتوى أعظم من الحاجة إلى هذا كله، لم يكن بعيدا عن الصواب الحقيق بالقبول، إذ بالفتوى تقوم الأديان، وبها يتقرب المكلف إلى ربه، بفعل ما يحبه، وترك ما يبغضه، فيسلك إلى ما فيه سعادة الدارين.
والمسلمون في هذا العصر لا يخرجون عن هذا الأصل، فهم – في أغلب أحواهم - متشوفون إلى أهل الفتوى، حريصون على معرفة أحكام الله عز وجل. وإذا كان منصب القضاء الشرعي مغيبا في أكثر بلاد الإسلام، فإن منصب الفتوى موجود، وكثير من الذين يعتلونه هم من أهله القائمين بحقه أحسن قيام، وإن كان منصبا مفتوحا أيضا لبعض من ليس بينه وبين العلم الشرعي كبير اتصال.


***

وقد انشغل الناس في السنوات الأخيرة، بطائفة من الفتاوى الشاذة العجيبة، التي يصدرها - بين الفينة والأخرى - بعض المتصدرين قبل تمام التأهل العلمي، ما بين داعية، وواعظ،)[2]( وطالب علم مبتدئ، ومفكر، وكاتب في الصحف السيارة، وأمثال هؤلاء ممن لا ينبغي أن تؤخذ الفتوى العلمية من أحدهم، في نقير ولا قطمير.
وهذه الفتاوى الشاذة – إذا قورنت بمجموع ما يصدر من الفتاوى المنضبطة - قليلة جدا في عددها، ولكن الضرر بها كبير جدا. وما ذلك إلا بسبب ما يحدث إثر صدورها من أخذ ورد في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، حتى يصبح النقاش فيها حديث المجالس، تلوكه الألسنة والأقلام، بعلم حينا، وبجهل أحيانا !
وقد صار لخروج هذه الفتاوى، وعرضها على الرأي العام، عادة مألوفة لا تكاد تتخلف. تبدأ بفتوى مغمورة لبعض المنسوبين إلى العلم أو الفكر، في موقع على الشبكة أو صحيفة قليلة الانتشار. ثم يتكفل بعض أهل الإعلام بنشر الفتوى على وسيلة إعلامية مشتهرة، من صحيفة ذائعة الصيت، أو قناة فضائية يتتبعها ملايين الناس. ويتبرع هذا الصحافي بأن يزيد للفتوى المنشورة سباقا من الإثارة، ولحاقا من التشويق، وقد يزيد – ضغثا على إبالة – فيعقد للفتوى لقاء فكريا، يستدعي له بعض المعارضين، وبعض الموافقين. واسمع حينئذ ما شئت من عصارات الفكر، وأعاجيب التأصيل، ونوادر البراهين؛ في قالب حواري يزري بما يدور في أعرق المجالس النيابية العالمية !
ثم تنتقل الفتوى بعد ذلك إلى الشبكة العنكبوتية، وتأخذ حقها من التجاذب والتناطح. وقد تعرض على كبار أهل العلم، فيتكفل بعضهم بما تيسر من البيان العلمي، وفق الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء الربانيين؛ وإن كانت أكثر هذه الردود العلمية، لا تتداول إلا في صفوف طلبة العلم، ولا تكاد تجد طريقها إلى وسائل الإعلام.
وتمر الأيام والليالي، فلا يبقى من هذا كله في أذهان الناس إلا أن خلافا فقهيا جديدا قد استحدث بعد أن لم يكن، وأن ما لم يكن يخطر ببال العوام إمكانُه في الشرع الحنيف قد صار الآن عندهم من مسائل الخلاف، التي تتنوع فيها الأنظار ما بين متشدد ومتساهل.
وقد يداعبك بعض هؤلاء العوام - حين يأتي ذكر المسألة - بابتسامة ماكرة ويقول: (والخلاف رحمة !).

***

وقد تأملت في السبب الذي يهوّن لبعض هؤلاء المفتين، إخراج مثل هذه الفتاوى العجيبة، فتبين لي أن الأسباب كثيرة جدا، ومتنوعةٌ تنوعَ المؤهلات العلمية، والمكونات الفكرية، والأحوال النفسية، لهؤلاء المتصدرين.
ولكنني ارتأيتُ أن أذكر بعض ما تيسر، وللقارئ أن يزيد من ذلك ما يظهر له.
فمن أهم الأسباب ضعف الملَكة الأصولية، بل قلة الاطلاع على كتب أصول الفقه، وندرة الممارسة لقواعده. ومن المعلوم أن علم أصول الفقه هو الأساس الذي يبتنى عليه علم معرفة الحلال والحرام. والذي يتصدى للفتوى والبحث الفقهي، وهو عريّ من هذا العلم، كالذي يخرج إلى ميدان الوغى بغير سلاح، يوشك أن يولي على عقبيه، مهزوما لا يلوي على شيء. أو هو كالذي يبني العمارة المأهولة الشاهقة، على أساس مائي غير متماسك، يوشك بناؤه أن يخرّ بمن فيه، فيصير أثرا بعد عين.
وقد ذكر جماعة من الأصوليين أن الفقيه الحافظ للأقوال والمذاهب لا يعتد بقوله إلا إن كان مجتهدا، بخلاف الأصولي المتمكن من فنه، فإنه يعتبر خلافه وإن كان غير حافظ للأحكام.
والحق أن هذا الضعف الأصولي لا يظهر عند هذا المفتي المسكين، ما دام منضبطا في إطار مذهب فقهي معين، أو ملتزما بما عليه جمهور الفقهاء، أو متقيدا بالمشهور العلمي في مجتمعه، وهو الذي عليه كبار شيوخ ذلك المجتمع. وذلك لأنه في هذه الحالة، لا يتجاوز نقل ما حفظه، وبث ما سمعه.
ولكنه إذا تكلف عناء البحث المستقل، وكابد مشقة الاجتهاد، لم يلبث أن يقع على أم رأسه، ويخبط خبط العشواء في الظلماء. فتراه يستدل بما لا يصلح أن يكون دليلا إلا عند جماعة المجانين والمبرسمين، ويستنبط بفهمه السقيم من النص ما لا يدل عليه من قريب ولا بعيد، ويرد أفهام العلماء الربانيين، التي صقلها علم أصول الفقه، وهذبها إدمان النظر في استنباطات الفقهاء والأصوليين؛ بفهمه الذي لا رسن له، يكبحه عن الجماح في أودية الباطل.

***

ومن الأسباب أيضا أن بعض هؤلاء تلقف بعض القواعد الأصولية العامة، فجعلها شعارا له في بحثه، وإن لم يتقن مصادرها ومواردها، ولم يعرف قيودها وضوابطها. فهو يعمد إلى القاعدة الصحيحة، فيظلمها باستعمالها في غير محلها.
وأكثر هذه القواعد ظلما: قاعدة مراعاة مقاصد الشريعة، وقاعدة المصالح والمفاسد.
والكلام في بيان الإعمال الصحيح لهاتين القاعدتين، يطول جدا، ولا يحتمله هذا المقال المختصر. ولكن يكفيني هنا أن أقول: إنهما – على ما لهما من شأن عظيم، ومنزلة خطيرة – لا يمكن الاستغناء بهما عن سائر القواعد الأصولية. بل لا يكون إعمالهما إلا للمتبحر في الفقه وأصوله، الذي بلغ فيهما درجة عالية، هي درجة الاجتهاد أو ما يقرب منها.
ولا ينقضي عجبي حين أرى بعض العوام أو الطلبة يتكلمون في المقاصد الشرعية، ويستشهدون ببعض كلام الإمام الشاطبي، وهم لمّا يدرسوا بعد ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه، فضلا عما فوقه من المتون والكتب الجامعة في هذا الفن !
وهذا السبب يلتقي – عند التحقيق - بالسبب الأول، لأن سوء استعمال القاعدتين من ضعف الملكة الأصولية عموما.

***

ومن الأسباب أيضا حب الظهور بمظهر المعتدل أمام عوام الناس لجذبهم إلى الالتزام بالشريعة.
وقد يكون هذا المقصد صحيحا في نفسه، ولكنه لا يبيح بحال تمييع الدين، وتحريف أحكام الشرع.
ولأجل هذا المقصد حلق جمع من الدعاة لحاهم، وظهروا بالملابس الشبابية الخفيفة، وخلطوا في مجالسهم بين النساء والرجال !
ولأجله غيّر جمع من الوعاظ أساليب خطابهم الدعوي، حتى ما عاد عندهم شيء هو حرام أو لا يجوز، وإنما: فيه خلاف .. والأفضل أن .. وليتك تفعل .. !
ولأجله صار بعض المنسوبين للدعوة أو العلم يجاهر بفعل المعاصي التي كان العامي الملتزم يستحيي أن يذكرها عن نفسه منذ عقد من الزمان أو عقدين ! وقد قرأت بعيني كلام عالم يذكر عن نفسه سماع فلان وعلان من أهل الطرب، ومشاهدة فلان من أهل المسرح والتمثيل ! وسمعت بأذني كلام (داعية) يتعمد ذكر عناوين الأفلام والمسلسلات الأمريكية، ويذكر عن نفسه أنه يشاهدها !
ولأجل هذا المقصد أفتى أحد الجهلة – فيما نُقل - بإباحة القبلات بين المراهقين والمراهقات في الأماكن العامة، وأن الحجاب عادة وليس واجبا؛ وأفتى آخر بجواز استعمال الأدوات الجنسية قبل الزواج، وبجواز شرب المرأة المتوحمة الخمر !

ويتأكد هذا المعنى، إذا كانت الفتوى في شيء عمت البلوى به، حتى نشأ عليه الصغير، وشاب عليه الكبير. فحينئذ يصعب على المفتي المسكين أن يخالف المألوف المتداول بين عوام الناس، لما في تلك المخالفة من مجاهرتهم بما لا يرتضونه، ومجابهتهم بما لا يحبونه. فلا يزال الواقع الطاغي يضغط على المسكين، حتى يجعل نفسه منفصمة بين سبيلين متناقضين، لا يملك الجمع بينهما: موافقة الشرع وإرضاء الناس.
ثم لا يلبث أن يجد في قول فقهي شاذ مرذول، ما يمكّنه من هذا الجمع، ولو بهدم بناء الاستدلال الفقهي من أصله. فإذا به يطير بذلك القول فرحا، ويبثه في الناس متهللا محبورا.
وأفضل مثال على هذا: مسألة المعازف، فإن الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها من القوة بمكان، وفي التحريم إجماع - أو ما يشبه الإجماع، في أقل الأحوال. ومع ذلك تجد بعض المعاصرين يستميتون في الاستدلال على الإباحة، فيحشدون كل غث من الأقوال، ويتشبثون بكل شبهة يجعلونها دليلا قائما، ويردون كل دليل يخالف هواهم بالاحتمالات العقلية البعيدة.
ولست أشك أن مرجع هذا كله، إنما هو إلى انتشار المعازف في هذا الزمان انتشارا بالغا، حتى لا يكاد يسلم منها مكان. والدليل على ذلك أنهم يحرمون بعض الأشياء التي يكون دليل تحريمها أضعف من دليل تحريم المعازف بكثير.

***

ومن الأسباب أيضا حب المخالفة، لأنها - فيما يحسب المسكين - دليل القوة العلمية، والتميز المعرفي، وذلك على قاعدة (خالف تُعرف) !
''فإنما يقلد الجاهل، وإنما يجتهد العالم !''
''وإذا أنا خرجت من إسار المألوف العلمي في البيئة الذي أنا فيها، وتركتُ تقليد الشائع المتداول، فما ذلك إلا لقوة مداركي العلمية، وجرأتي الفكرية !''
وقد يصرح بعضهم بادعاء الشجاعة في هذه المخالفة، فيقول مثلا: (هذا القول الذي أتبناه، يراه غيري من العلماء، ولكنهم لا يجرؤون على إظهاره).
ومثل هذا يقال له: إن صح ما تقول – ولا سبيل إلى التحقق من ذلك - أفلا سكتّ كما سكتوا؟

***

ومن الأسباب أيضا أن بعض الدعاة والخطباء قد وقع لهم انفتاح سريع على الغرب، وعلى حضارته الأخاذة، التي تبهر الألباب، وتأخذ بمجامع القلوب؛ وذلك إما عن طريق السفر للدعوة ونحوها، أو عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، من قنوات فضائية وشبكة عنكبوتية ونحو ذلك.
وقد كانوا قبل ذلك في بيئة منغلقة، شددوا فيها على أنفسهم، دون أن يكون ذلك عن علم راسخ، ولا فقه رصين؛ فلما انفتحوا على غير بيئتهم الأصلية، أفضى بهم ذلك إلى نوع من التحلل، والانسلاخ من القيود، وصاروا يسبّحون بحمد الغرب تأصيلا وتفريعا.

***

والكلام في هذه الأسباب وغيرها يطول بنا جدا.
ولكن ما السبيل إلى قطع الطريق أمام هؤلاء المفتونين، الذي يخرجون علينا بهذه الفتاوى الشاذة الغريبة؟
أعظم سبيل إلى ذلك أن ينشر في الناس أن يأخذوا فتاواهم من أهل العلم المعتبرين، ويجتنبوا فتاوى المرتزقة وأنصاف المثقفين.
وأمام هذا الإرشاد والبيان عقبات وإشكالات، ولهذه الإشكالات حلول مقترحات.
ولكن ذلك يأتي في حديث مقبل إن شاء الله تعالى.

14 رجب 1431






1- إعلام الموقعين (2/17).

2- المقصود بهذا من كان متصدرا للدعوة والوعظ دون أن يكون من أهل العلم. وما أكثرهم !

السبت، 19 يونيو 2010

هم رجال ونحن رجال !

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعدُ:
فإن للشيطان مداخلَ عجيبة ينفذ بها إلى بواطن النفس البشرية، ليصرفها عن حق، أو يرميها في حضن باطل.
وهو – عياذا بالله منه – منذ أن تبوأ مقعد عمل الغواية والإضلال، الذي وُكل به، يصد لكل نوع من النفوس ما يلائمها من أسباب الإعراض عن الحق، فيعد للصالحين غير ما يعد للطالحين، ويُغوي أهل العلم بغير ما يغوي به أهل الجهل، وهلم جرا.
إنها معركة قديمة، جمع لها إبليس جراميزه منذ زمن بعيد، ثم هو بعدُ ماض في مهمته لا يغره نصر يحصله، ولا تُكرثه هزيمة يتردى بها. أما خصومه في هذه المعركة، فما بين معد للأمر عدته، وجامع له أهبته؛ وبين غافل عما يراد به، مترد في الأحابيل التي ينصبها له عدوه.
ولستُ أعرف في الشراك التي ينصبها إبليس لأهل العلم، أشد نكاية فيهم، وأعظم أثرا في طبائع نفوسهم، من الغرور الذي يزينه لهم، فينتفخون به انتفاخ الكرة التي يلعب بها الصبي، لا تزال معه حالَ انتفاخها في محنة من الضرب بين الأرجل العابثة.
وأي محنة هي أعظم من محنة ذاك المنتفخ بغير ما ينفع، المزهو بغير ما يملك، المتشبع بما لم يعط، حين يتقدم الصفوف، ويتصدر المجالس، والعيون محدقة في سحنته البهية، والأسماع مصيخة إلى ما سيفوه به من الكلمات الشجية، والقلوب متعلقة بما سيأتي به من البراهين الجلية؛ وهو جالس أمام القوم، يخترع الكلام اختراعا، ويبتدع الأفكار ابتداعا، ويصول في حمى العلم ويجول، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه أفرغ من فراغ، وأذل من فقع قرقرة بقاع !
هذه محنته ..
أما محنة السامعين – إن كانوا ممن بقي لهم بقية من فهم أو صبابة من فطنة – فكمحنة المسجون حين يلقى به في زنزانة مظلمة، فهو ينتظر موعد الخروج بأقصى ما يكون من الشوق !


***

وآفة الغرور لا تقوم في النفس إلا على ركن من الجهل ركين. فالعلم ينفي الغرور كما ينفي الكير خبث الحديد. وقد قيل قديما: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول: تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني: تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث: علم أنه ما يعلم.
وقد أحسن من قال:
العلم حرب للفتى المتعالي = كالسيلِ حرب للمكان العالي
فالعلم والكبر ندّان لا يجتمعان، وما دخل العلم قلبا إلا خرج منه من الكبر بمقدار ما دخل من العلم.
والسبب في التعارض بين هذين واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار. فإن العلم يُري صاحبه من أحوال العلماء السابقين، وسعة دائرة علومهم، وعجيب دقة فهومهم، ما يجعله ينزل من برجه الذي كان يتأهب للصعود عليه، ويحثه على ملازمة منزلته التي تلائمه حقا، وحفظ منزلة هؤلاء العلماء المتقدمين، كما يكون البقل في أصول النخل الطوال.
وإن العلم أيضا ليتشعب بصاحبه، فلا يكاد يتقن فرعا حتى يعرض له غيره، ولا يكاد يفهم أصلا حتى يواجهه سواه. ولا يزال متنقلا في حياض العلم، من ساقية إلى نهر، ومن نهر إلى بحر، حتى يوقن أن إدراك الغاية القصوى من هذا العلم الذي هو بصدده، حلم لا سبيل إليه؛ وإنما قصاراه السير في الطريق، وجمع ما أمكنه من الثمار.
فكيف يغتر بعد ذلك من خاض هذا الخضم؟
وما أشبه حال المتعلم بحال المغامر الذي يتلمس سبيله في وسط غابة كثيرة الأشجار، ملتفة النباتات، وبيده مدية كبيرة يفتح بها الطريق أمامه. لكنه لا يقطع غصنا إلا ظهرت أمامه أغصان لا تتناهى كثرة، فمتى يقول إنه وصل غايته؟ !

***

والغرور يحمل صاحبه على وقف مسيرة التعلم، والاكتفاء بما حصله من العلم – ولو كان قليلا.
وإذا كان – بحسب ما يدعيه – قد وصل إلى هذه المرتبة العلمية المنيفة، وتسنم هذه المكانة الفكرية الباذخة، ففيم يجهد نفسه في التحصيل العلمي، الذي لا يليق بزعمه إلا بالمبتدئين؟
وكم تضيع على هؤلاء المغرورين من العلوم والمعارف !
وأعرف منهم من لا يفتح الكتاب إلا لماما، ولا يثني ركبته في مجلس علم مطلقا؛ وهو بعدُ دائم التنقل من محاضرة إلى ندوة، ومن برنامج إذاعي إلى لقاء بقناة تلفزية، يجتر الكلام نفسه، ويتلفظ معادا من القول مكرورا.
فهي دائرة مغلقة إذن: جهل يجر إلى غرور، وغرور يجر إلى جهل !
ثم إن الغرور يقطع على صاحبه طريق الأوبة إلى الحق، ويهون عليه الاستمرار في الباطل، مع علمه بأنه باطل. أما المتواضع الذي يعرف قدر نفسه، فأسهل شيء عليه أن يقول: أخطأتُ في كذا، وأنا عنه راجع من ساعتي هذه !

***

والغرور عند المنتسبين إلى العلم ليس من مبتدعات هذا العصر الذي نحن فيه، فقد كان موجودا – على قلة – عند بعض المتقدمين. ودليل وجوده كثرة إنكار العلماء الربانيين على أهله، وما كانوا لينكروا أمرا لا وجود له في الواقع.
لكن ما أتى هذا العصر حتى اتسع الخرق على الراقع، فازداد الغرور بمقدار ما نقص من العلم.
وأكثر ما ضخم هذه الظاهرة في عصرنا، تلك الشهادات الأكاديمية التي تمجّها الجامعات الإسلامية (الدكتوراه فما دونها). وهي شهادات تحمل – في الغالب - على كثير من الكبر، وتصرف عن كثير من التعلم.
وصاحب الشهادة الجامعية – إن كان لم يأخذ علمَه إلا من الجامعة - من أسرع الناس تساقطا في مهاوي الغرور، لا ينقذه منه إلا أن يبادر إلى نهل العلم من مصادره الأصيلة. لكنه إن لم يفعل، غلبه ما شحن به ذهنه خلال دراسته الجامعية من السطحية التي تلامس عناوين المسائل، ولا تخوض في غمار التفصيلات العلمية الدقيقة، التي تنمي الملكة العلمية الراسخة.
والنتيجة الحتمية لهذه السطحية في التحمل، أن الطالب – الذي سرعان ما صار أستاذا يشار إليه بالبنان – يتعامل مع كل المسائل العلمية التي تواجهه بسطحية في الأداء أيضا.
فإن أشكل عليه أمر فزع إلى المقاصد الكبرى، والمصالح العامة، وإلى نتف من هنا وهناك، وشذرات عامة يجمّعها من كل حدب وصوب، وينثرها كيفما اتفق.

***

وصاحبنا المغرور له في كل فن حيلة يجعلها شعارا لكلامه ودثارا، فتغنيه عن كثير من العلم، وتظهره – عند الأغمار والعوام - في صورة المحقق المتمكن !
فإذا أعياه تفسير آية من كتاب الله تعالى، لم يعسر عليه أن يقول: يبدو لي أن المعنى كذا. فإن ظهر أنه خالف إجماع المفسرين قال بلهجة الواثق: كلام المفسرين ليس وحيا منزلا، وقد جدّت أمور وأوضاع، فلنا أن نقول كما قالوا، ونرى كما رأوا !
وإذا خالف هواه حديثا من أحاديث البشير النذير صلى الله عليه وسلم، فزع إلى تضعيفه بكلام تستحي العنكبوت أن تنسج مثله. ثم احتمى ببعض الدعاوى العريضة التي تجعل له مخرجا من الدهليز الذي دلف إليه.
وإذا اعترضته مسألة فقهية أو فتوى شرعية، أغناه عن تكلّف بحثها تفصيلا، الاتكاء على مقاصد الشريعة كما يفهمها، ونظرية المصالح والمفاسد كما يتصورها. وإن عصمه الله بشيء من الورع، تفكر قليلا، ثم قال بلهجة من أحاط بالمسألة من كل جوانبها: (في المسألة خلاف !).
وإذا أشكلت عليه دقائق علم النحو والصرف، قال: (ما لنا وللخليل وسيبويه؟ ! فلنرجع إلى الظواهر اللغوية الأصلية لنجدد هذا العلم ..). فكأن نحاة العربية كانوا يرجعون في تأصيل قواعدهم إلى دراسة ظواهر الألمانية أو الروسية !
وإذا صعب عليه فهم مسألة بلاغية، قال: (اتركونا من عجمة المتأخرين، وأرجعونا إلى فصاحة الأوائل). ثم ما هو من أهل الأولى ولا الثانية !
وإذا عسر عليه شيء من علم العروض والقوافي، قال: (ما أثقله من علم ! وما أسمجها من مصطلحات ! علينا تجديد هذا الفن، وإلغاء تعقيدات الخليل ومن شايعه.. ).
وهكذا قل في سائر الفنون: دعاوى ووصايا تخفي جهلا وكبرا.

***

هكذا حال كثير من هؤلاء المتكبرين المنتسبين إلى العلوم الشرعية.
دخلوا الميدان من غير بابه، فاختلطت عليهم الأمور، وصاروا يخبطون في العلم خبط عشواء. وقصارى جهد الواحد منهم أن يقول:
- لست ملزما بقول الإمام الفلاني ..
- ولي عقل حر، يمكنني من أن آخذ ما أشاء، وأدع ما أشاء ..
- ولا تحجر على تفكيري، فلست من المقلدين

وإذا ذكر أمامه السلف والأئمة المتقدمون قال:
(هم رجال .. ونحن رجال).
ونحن نقول:
أما الأولى، فلا شك في صحتها ..
وأما الثانية، فما أبعدها عن الصواب.

البشير عصام
7 رجب 1431

السبت، 5 يونيو 2010

هذه قضيتنا .. (عن هجوم جيش اليهود على قافلة الحرية)

(المقال منشور على شبكة الألوكة، على الرابط: هذه قضيتنا)
بسم الله الرحمن الرحيم
خرج العشرات من شجعان المسلمين، ومعهم كثير من محبي الحرية، وأعداء الظلم، في رحلة بحرية، منطلقة من تركيا، وغايتها أن توصل إلى الشعب الفلسطيني المجاهد على أرض غزة، من المؤن الغذائية والطبية، ما يرفع عنه – ولو إلى حين – شيئا من لذع الجوع، ومرارة الفاقة، وهوان العزلة.
وكان أن تصدت لهذه القافلة البحرية المسالمة، شراذم من عساكر العدو الصهيوني الأثيم، فاستطالوا عليهم كما تستطيل جماعة الذئاب على الفريسة المنعزلة عن أهلها، فتتناولها بأنيابها ومخالبها، وهي آمنة من الرقيب أو العدو الأمنَ كله، مطمئنة إلى مودة الصديق الذي لا يسأل في النائبات برهانا، الطمأنينةَ كلها !
فكان أن ارتفع من أهل القافلة أقوامٌ، فعدوا من القتلى .. وأقوام آخرون احتسبوا من الجرحى. نسأل الله تعالى أن يتقبل القتلى عنده من الشهداء، وأن يعجل بشفاء الجرحى، ويردهم إلى أهلهم، على أفضل ما يحبون.
ولم يكن في كل ما وقع جديدٌ في أمور الوقائع السياسية، ولا مبتدَع من أحوال هذا الصراع الأبدي بين الحق والباطل، ولا مستحدث في خصوص هذا الصراع بين المسلمين واليهود، مذ أشرقت على الناس شمس الإسلام.
أما في وقائع السياسة، فلأنها تاريخ مستمر من الصراع بين الإرادات المتفاوتة في ما يعضدها من قوة مادية. ثم إن الغلبة تكون دائما للإرادة التي تستطيع أن تنتقل من ضيق الكلمة، إلى فسحة العمل؛ ومن ضوضاء الشعارات البراقة، إلى سكون الفعل الهادف. وهذا الذي فعله اليهود في هذا الزمن الذي نتلظى بأواره .. وهذا الذي أغفلنا أن نطبقه – جهلا من بعضنا وتعمدا من الآخرين - وجرينا لاهثين وراء الكلام المجرد، وأحلام العدالة الدولية، وسراب القانون الإنساني المنصف.
والحق الذي لا مرية فيه، أن العدل لا تقوم أركانه، وأن الحقوق لا ترد إلى أصحابها، إلا بمجالدة ومدافعة، وأن ما سوى ذلك حِلم مصطنع:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له = بوادر تحمي صفوه أن يتكدرا
وأما في الصراع بين الحق والباطل، فلأن الباطل لا يمكن أن يرضى بعتبة يقف عندها ولا يتجاوزها، وإنما هو كالدود الذي ينخر الجثة الهامدة، لا يتوقف إلا عندما يحيلها عدما، أو كالعدم.
وإذا استكان الحق، وترك مناجزة الباطل، وأهمل أن يطلبه في مواطنه ليقارعه وينتصف منه، لم يلبث أن يجد نفسه في موقف المدافع، الذي يستطيل عليه الباطل، ويذيقه صنوف الهوان.
كان المدافعون – من أهل الإسلام ومن التحق بصفهم – لا يرضون باليهود دولةً ولا كيانا، ويناوئون هؤلاء الدخلاء عسكريا وسياسيا وإعلاميا، وعلى كل ميدان، يصح فيه رفع راية المجاهدة والمغالبة.
ثم فاوضوا – أو قل: فاوض بعضهم، وأنكر بعضهم، وسكت الأكثرون - فتحولت القضية في بعض مظاهرها إلى قضية إنسانية محضة: كسر الحصار عن غزة، ومعالجة المرضى، وإنقاذ الشيوخ والأطفال.
ثم ما رضي العدو حتى جعل المسلمين – وهم في قضيتهم الإنسانية الصغيرة هذه - لا يصلون أيضا إلى ما يودون من الانتصار. بل هو يراوحون مكانهم، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، مع أن المطلب – بقياس الدين والسياسة معا – صغير جدا، لا يصلح أن يكون هدفا مرحليا، فضلا عن غاية عظمى.
وأما في خصوص الصراع بين المسلمين واليهود، فلأن اليهود جبلوا على الجبن، طبعا فيهم مستحكما، لا يرفعه عنهم دولة قائمة، ولا سلاح ذري، ولا دعم معنوي تغدقه عليهم دول النصرانية المتجبرة. بهذا الجبن عُرفوا مذ كانوا، فحكاه عنهم القرآن في غير موضع، ومن أصدق من الله قيلا !
ومن طبع الجبان أن ينازل الضعفاء، ويتجبر عليهم، ليرضي نفسه المهزوزة، ويثبت قلبه المرتعش، بانتصار – ولو أن يكون وهميا.
***
لم يحدث جديد إذن ..
العدو الصهيوني يتجبر..
وقادة العالم بين متعاطف يستخفي بتعاطفه، ومستنكر يستعلن بإنكاره ..
وحكام المسلمين يستنكرون في كلام هو بالصمت أشبه ..
وشعوب الأمة تتحرق من شدة الغيظ، وتتلوى من تباريح الشوق إلى ميادين العمل المثمر، ثم لا تجد من العمل الممكن غير الكلام، الذي يبدأ صراخا، ثم يتحول – بسبب من اليأس أو السلوّ أو منهما معا - إلى حشرجة خافتة.
لا جديد؟
بلى !
في الحادثة جديد، أو قل: شيء يريد كثير من الناس أن يكون جديدا ..
سئمت الشعوب المسلمة من توالي الجديدين بسلسلة رتيبة من وقائع الذل وأحداث الاستكانة، فتطلعت إلى جديد ينقذها من هذه الرتابة الخانقة. وكان ذلك الجديد أملا غامرا في قائد، يسوس الأمة إلى سابق مجدها. وكان ذلك القائد في – خيال الشعوب – هو حكام دولة تركيا.
وانطلقت الشعوب تمجد هؤلاء الحكام، وتهتف لهم، وتتمثل فيهم غصن النجاة الذي سيخرج الأمة من أوحال الهزيمة التي تردت فيها.
بل قارن بعض الناس بسرعة عجيبة، بين حكام تركيا اليوم، وبين دولة العثمانيين التي قادت الأمة قرونا متطاولة، وتقدمت جحافل الجهاد الإسلامي في قلب أوروبا الصليبية !
ولست بطبعي متشائما. وكيف يجد التشاؤم سبيله إلى قلب عرف وعد الله الذي لا يتخلف، وتدبر سنن الكون التي لا تتغير؟ !
وأنا أيضا لست ممن يهوى مفارقة جماعة الناس، لا لشيء إلا لحب المخالفة، على قاعدة (خالف تعرف).
ولكنني لست ممن ينبهر بالكلام العاطفي، ولا أنا ممن يغتر بالشعارات الزائفة. وأعرف - من طول تقليب النظر في أحوال السياسة وأهلها – كيف أميز بين الكلام الذي هو كلام، والكلام الذي تأتي الأعمال على إثره سراعا.
وإذا تأملنا ما فعله قادة تركيا اليوم، وجدناهم أفضل من غيرهم في خصوص موقفهم هذا. ولكن ماذا وراء ذلك؟
لا ينبغي أن ننسى – وآفة شعوبنا ضعف الذاكرة إلى حد التبلد – أن هؤلاء القادة كانوا إلى أمد قريب جدا يصافحون قادة اليهود الغاصبين، ويضاحكونهم، ويتبادلون الزيارات الودية معهم.
ولا ينبغي أن ننسى أن العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ودولة العدو قائمة مستقرة، مع شيء من التوتر، والمشاحنة اللفظية، توجد نظائره بين كثير من الدول الحليفة، التي تجمع بينها مصالح سياسية واقتصادية كبرى.
ولا ينبغي أن ننسى حقيقة هذا الموقف التركي الذي ارتفع به قادة هذا البلد – في طرفة عين - إلى مصاف المنقذين والأبطال: دولة توجه قافلة إنسانية، فيتعرض لها جنود دولة أخرى في المياه الدولية، ويقتلون ويجرحون العشرات من رعاياها، ثم يكون ردها خطابا حماسيا، واستدعاء للسفير، وتهديدا بقطع العلاقات الدبلوماسية !
أهكذا كانت ردود الخلفاء العثمانيين، الذين يشبه قادة تركيا اليوم بهم؟
ثم لا ينبغي أن ننسى الأخطر، الذي قد يضيع في هذا البحر المتلاطم من الكلمات والخطابات والشعارات.
الأخطر أن قادة تركيا إنما يتحدثون عن القضية من جانبها الإنساني فقط. فقضية فلسطين محجّمة عندهم في خصوص مأساة غزة، وضرورة كسر الحصار الظالم المفروض على أهلها. وتحجيم القضية في هذا الجانب الإنساني المحض لا ينازع فيه كثيرون ممن لا يحملون هم القضية الفلسطينية أصلا، من أهل أوروبا وأمريكا، ومن دعاة حقوق الإنسان، ومحبي الحرية في كل مكان.
جميل أن يقال: (لن ننسى غزة !).
ولكن الأجمل أن يقال: (لن ننسى القدس !)، بل (لن ننسى حيفا ولا يافا !). وبعبارة أخرى أكثر وضوحا: (لسنا نقبل بوجود شيء اسمه دولة إسرائيل، فضلا عن أن نفاوض هذه الدولة اللقيطة، فضلا عن أن نستجديهم أو نطالبهم – والفرق عند التحقيق يسير - ليرفعوا الحصار الاقتصادي عن أهل غزة).
بل الأجمل من ذلك كله، فعل تغني شرارته الملتهبة عن كثير من القول.

***

نعم، إن من الحق أن يقال إن تركيا عاشت عقودا تحت حكم علماني هو من أعتى ما وجد في هذا العصر تعصبا للعلمانية وحضارة الغرب الكافر، ومروقا من الإسلام وقيم الشرق. ومن الحق أيضا أن الخروج من هذا السرداب المظلم لا يكون إلا بكثير من الجهد، ووابل من التضحيات الجسام. ومن الحق أخيرا أن قادة تركيا الجدد قد خطوا في طريق الخروج من هذا السرداب، بعض الخطوات الخجولة التي تفتح بابا للأمل، في مستقبل زاهر.
أما أن تقتنع الشعوب أن هذه المواقف المعلنة خير ما يتوقع، وأفضل ما يكون، فوهم عريض، وترد في مهاوي القناعة بالذل، واستمراء الهوان.
وأما أن يقارن هؤلاء القادة من أصحاب الخطابات والكلمات، بالخلفاء العثمانيين، الذي غرسوا أعلام الجهاد في قلب الصليبية الحاقدة، فتطفيف عجيب في الموازين، وقلب خطير للحقائق، وتسمية للأشياء بغير أسمائها، إلا أن يكون ذلك على طريقة العرب حين يسمون اللديغ سليما .. تفاؤلا.

***

ليس يهمني كثيرا أن أحلل الموقف التركي، ولا أن أتنبأ بما سيؤول إليه فيما يستقبل من أيام الناس. فهذه أمور سياسية آنية، قد تتمخض عن العظيم، وقد ينتج عنها الحقير، بل قد تمحى وتزول، فكأنها ما كانت قط !
ولكن الذي يحزنني كثيرا، بل يملأ كياني كله قلقا وألما، أنني أرى الأمة لا تزال – بعد أحقاب متطاولة – غير قادرة على معرفة حقيقة غاياتها، وطبيعة ما يطلب منها للوصول إلى تلك الغايات.
ويحزنني أنها لا تمتلك – إلا عند قلة قليلة من أفرادها – الميزان العقدي الصارم الذي يوزن به الأشخاص، وتميز به الجماعات، وتمحص به الأفكار، فتطرح العقائد الفاسدة، والتصورات الفكرية المنحرفة، بدلا من أن ترفع إلى درجات القيادة والريادة.
ويحزنني أنها – بعد أن لدغت مرارا من جحر النفاق السياسي – لا تزال مستعدة للانخداع مرة ومرات، بل كلما نعق ناعق، أو صدح صادح.
ويحزنني أنها لا تقرأ تاريخها، ولا تاريخ الآخرين، وأنها إذا قرأت سرعان ما تصيبها آفة النسيان، فتقتلع من القلوب والأذهان جذور الفهم، وتكسر أدوات التحليل المنطقي السليم.
ويحزنني أنني أسمع عن غزة، وعن حصار غزة .. ولا أسمع – إلا لماما – عن محاولات تهويد القدس، وتخريب الأقصى .. ولا أسمع قط عن وجوب تحرير فلسطين كلها، من النهر إلى البحر.
هذه قضيتنا، فلا تنسوها ..

السبت، 19 ديسمبر 2009

نظم أصول الإمام مالك، والقواعد الفقهية الخمسة


الحمد لله
هذا نظم لأصول مذهب الإمام مالك ليسهل حفظها، وهو - لاختصاره - يغني عن نظم ابن أبي كف رحمه الله:

أصول مذهب الإمام مالك = خذْ نظمها معبّد المسالك

نص وظاهر كذا المخالفه = فحوى الخطاب الاقتضا قد أُردِفه (الهاء للسكت)

الايماء، ذي الستة في الوحيين = الاجماع والقياس دون مين

وعمل بطيبة، وقول = صحب والاستحسان، ثم تتلو

ذرائعُ استصحابهم ثم الخبرْ = مصلحة رعي خلاف معتبرْ


وأردفت هذا النظم، بنظم القواعد الخمسة التي مدار الفقه عليها:


الشك واليقين، يرفع الضرر = مشقة تجلب يسرا ينتظرْ



وحكّمِ العادةَ، فالمقاصدُ = كذاك تُروى الخمسةُ القواعدُ

 2 محرم 1431


 

الجمعة، 22 مايو 2009

نظم موجبات الهدي عند المالكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فهذا نظم في عشرة أبيات، جمعتُ فيه موجبات الهدي في المذهب المالكي، لمن أراد استحضارها، معتمدا في تحديدها على ما في (مدونة الفقه المالكي) للغرياني (2/151) نقلا عن حاشية هداية الناسك على توضيح المناسك : 87.


النظم:
خُذ موجبات الهدي عند مالك = نظمتُها تذكرةً للناسكِ
تجاوز الميقات، ترك التلبيه = وركعتين للطواف توفيه
تأخير رمي، وكذا ترك المبيتْ = حلق، طواف للقدوم ما نسيت
ولا لعذر، ترك سعي بعدُ، لا = وقوف في التاسع حتى يدخلا
مكةَ، أو إفاضة في المؤتمر = وترك الابتداء من ركن الحجر
أو وقفة نهار يوم اجتبي = ونية الخروج قبل المغرب
وعدم المشي لقادر لدى = طواف او سعي أو الفصل بدا
بينهما، أو بين أجزائهما = والسعي إن طوافه ما انحتما
ترك نزوله بمزدلفةِ = تأخيره الرمي عن الإفاضةِ
صلاة ركعتي طواف واجب = بداخل الكعبة، فاشكر ما حبي


التعليق المختصر على ألفاظ النظم (التعليقات الفقهية مأخوذة من الكتاب المذكور):

خُذ موجبات الهدي عند مالك = نظمتُها تذكرةً للناسكِ
تجاوز الميقات
أي: الإحرام بعد مجاوزة الميقات لمن يريد دخول مكة لأحد النسكين.
ترك التلبيه
أي: ترك التلبية تركاً كاملاً من أول الإحرام إلى آخره ، أو تركها من أول الإحرام إلى أن يمضي يوم أو ما قاربه.
وركعتين للطواف توفيه
أي: وترك ركعتين هما توفيةٌ للطواف، والمقصود: ترك ركعتي الطواف الواجب إلى أن يرجع الحاج إلى بلده ، أو فعلهما بعد الطواف بوضوء جديد لمن انتقض وضوؤه بعد الطواف ، ولم يُعِد معهما الطواف ، واستمر على ذلك حتى رجع إلى بلده.
تأخير رمي
أي: تأخير رمي جمرة من الجمار ، ولو حصاة واحدة إلى الليل ، وأولى تأخيرها بعد انتهاء أيام الرمي.
وكذا ترك المبيتْ
أي: ترك المبيت بمنى جل ليلة من ليالي الرمي ، أولى ترك المبيت ليلة كاملة.
حلقٍ
أي: ترك الحلق إلى رجوع الحاج إلى بلده ، أو تركه حتى مضت مدة طويلة ولو لم يرجع إلى بلده ، أو تأخيره حتى أحرم بنسكٍ آخر.
طوافٍ للقدوم ما نسيتْ .. ولا لعذرٍ
أي: ترك طواف القدوم من غير عذر ولا نسيان إلى وقت الوقوف بعرفة.
ترك سعي بعدُ
أي: بعدَ طواف القدوم، وتأخيره إلى طواف الإفاضة.
لا وقوفَ في التاسع حتى يدخلا مكةَ
أي: ذهاب الحاج الذي أحرم من الميقات إلى عرفة يوم التاسع للوقوف قبل أن يدخل مكة مع اتساع الوقت وإمكان دخوله.
والألف في (يدخلا) لإطلاق القافية.
أو إفاضة في المؤتـمِرْ
أي: تأخير طواف الإفاضة أو السعي إلى شهر محرم، وكذلك تأخيرهما معاً.
والمؤتمِر: المحرّم.
وفي لسان العرب:
(ومُؤْتَمِرٌ والمُؤْتَمِرُ المُحَرَّمُ. أَنشد ابن الأَعرابي:
نَحْنُ أَجَرْنا كلَّ ذَيَّالٍ قَتِرْ = في الحَجِّ من قَبْلِ دَآدي المُؤْتَمِرْ).
وترك الابتداء من ركن الحجر
أي: عدم البدء في الطواف بالحجر الأسود، ما لم يُعِد ما فعله من الطواف قبل وصول الحجر.
أو وقفة نهارَ يومٍ اجتبي
اجتبيَ: أي اصطفي واختير، والمقصود به يوم عرفة، لما له من الفضل المشهور.
والمقصود: ترك الوقوف بعرفة نهارًا بعد الزوال.
ونية الخروج قبل المغرب
أي: نية الخروج من عرفة قبل الغروب، مع عدم التمكن من الخروج قبل الغروب فعلاً ، وإلا لو تمكن الحاج من الخروج قبل الغروب لفاته الحج.
وعدم المشي لقادر لدى طواف اَو سعي
أي: ترك المشي في الطواف أو السعي للقادر على المشي إذا لم يعدهما ماشياً
أو الفصل بدا بينهما
بدا أي: ظهر. والضمير في (بينهما) عائد إلى الطواف والسعي، أي: التفريق بين الطواف والسعي بزمن طويل إذا لم يعدهما الحاج متصلين
أو بين أجزائهما
أي التفريق بين أجزاء الطواف أو أجزاء السعي بالزمن الطويل.
والسعي إن طوافه ما انحتما
أي: السعي بعد طواف غير واجب.
ترك نزوله بمزدلفة
أي: ترك النزول بالمزدلفة ليلة النحر
تأخيره الرمي عن الإفاضة
أي: تقديم طواف الإفاضة على الرمي.
صلاة ركعتي طواف واجب بداخل الكعبة
صلاة ركعتي الطواف الواجب في الحجر أو الكعبة.
فاشكر ما حُـبـِي
أي: ما أُعطيَ.


تنبيه وفائدة:

التنبيه:
ذُكر في هذا النظم عشرون موجبا من موجبات الهدي. وليس هذا العدد محل اتفاق عند المالكية، بل فيها نزاع وتفصيل. وقد ذكر الحطاب ثلاثة وأربعين فعلا منها أربعة عشر متفق على إيجاب الدم بتركه، والباقي مختلف فيه لكن المشهور إيجابه في ثلاثة عشر منها، والعكس في ستة عشر.


الفائدة:
في أسماء الشهور عند العرب العاربة:
في نهاية الأرب للنويري (1/148):
(والأشهر العربية قسمان: قسم غير مستعمل، وهو الذي وضعته العرب العاربة؛ وقسم مستعمل، وهو الذي وضعته العرب المستعربة، وكلا القسمين موضوع على الأشهر القمرية.
فأما القسم غير المستعمل، فهو أسماء كانت العرب العاربة اصطلحوا عليها، وهي: مؤتمر، ناجر، خوان، صوان (ويقال فيه: بصان)، رنى، أيدة، الأصم، عادل، ناطل، واغل، ورنة، بُرك.
وفي هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة. والذي ذكرناه منها هو المشهور، ويدل عليه قول الشاعر:
بمؤتمرٍ وناجرٍ ابتدأنا = وبالخوان يتبعه البصَان
ورُنّى ثم أيِّدةٌ تليه = تعودُ أصمّ صمَّ به السنان
وعادله وناطله جميعاً = وواغله فهم غرر حسانُ
وورنةُ بعدها بُرَكٌ فتمّت = شهور الحول يعقدها البنان).انتهى
والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 29 ديسمبر 2008

منظومة في ختم متن (الجوهر المكنون) في علم البلاغة


الحمد لله
هذه منظومة ألقيتها على الطلبة الذين حضروا عليّ درس شرح (الجوهر المكنون) في علم البلاغة:

قد تم شرح الجوهر المكنونِ = فاعتصموا بفلكه المشحونِ
واستخرجوا منه نفائسَ الدررْ = ولتقدحوا بعلمه زند الفِكَــرْ
ولتحفظوه إن أردتمُ الرسوخْ = في العلم، هذه وصية الشيوخْ
فالفهمُ دون الحفظ كالهباءِ = أو مثل ملح في مسيل الماء
وإنما يبقى على مر السنينْ = شيء وعاه القلب بالحفظ المتينْ
وإن يسؤكَ ما به من الهناتْ = فالنحل يبتغي رحيق الزهراتْ
ويترك النجس للذبابِ = فاجعله قدوة لدى الطلابِ
واعلم بأن المتن غير كافِ = لأنه منخزل الأطراف
قد رام فيه الناظم التسهيلا = فترك البيان والتفصيلا
لكنه في العلم كالمصباح = به ينار الفن بالإيضاحِ
فاجعله كالمرقاة للقزويني = أو نظم ذي الحفظ جلال الدين
تنل من البلاغة المطلوبا = وقد سلكتَ مسلكا قريبا
إلى هنا تمّ الذي قد قُصدا = والحمد لله دواما سرمدا
ثم الصلاة والسلام أبدا = على النبي الهاشمي أحمدا
وآله وصحبه الأطهار = ما كان ليلٌ تاليَ النهارِ
والشرح في بضعة أشهر بدا = أرخته (نلنا البيان رغدا).

نلنا = 50+30+50+1 = 131
البيان = 1+30+2+10+1+50 = 94
رغدا =200+1000+4+1 = 1205
المجموع: 1430

السبت، 1 نوفمبر 2008

يا وحشتي ..

(كنت في القطار بين مراكش والرباط، فانقطع التيار الكهربائي، وأظلمت المقصورة التي كنتُ فيها، فتذكرتُ ظلمة القبر.. وكانت هذه الأبيات التي اختلستُ تدوينها على حاشية كتابٍ كنت أحمله، وعلى ضوء باهت منبعث من هاتفي النقال)

يا وَحشتي في القبرِ إن لم يكنْ = لي عملٌ يُؤنِسني فيهِ
إذْ يرحلُ الناسُ، وأبقى أسيـ = ـرَ الخوفِ، والغربةُ تذكيهِ
في ظلمةٍ يخنقني صمتُها = وخلفَها المجهول تخفيهِ
يا ليتَ ربي للدُّنى مُرجِعي = فلستُ طولَ العمرِ أعصيهِ
ما للرجوع من سبيلٍ - وإنْ = أَحرصْ – فما يجدي تمنّيه
قد كان يكفي عملٌ صالحٌ = لكنْ غرورُ المرء يرديهِ
هذي ذنوبي أثقلتْ كاهلي = فما زرعتُ اليومَ أجنيه
ذو القعدة 1429